من ضفاف النيل إلى العالمية: القاهرة والمنصورة وشبين الكوم منارات جديدة على خريطة اليونسكو للتعلم
في خطوة تعكس تقديراً دولياً للجهود المصرية في مجال التنمية البشرية، تُشرق شمس ثلاث مدن مصرية عريقة في سماء شبكة اليونسكو العالمية لمدن التعلم. لم يعد الأمر مجرد خبر عابر، بل هو إعلان بأن القاهرة، والمنصورة، وشبين الكوم، لم تعد مجرد تجمعات سكانية، بل أصبحت مختبرات حية للمعرفة والابتكار، معترف بها عالمياً. هذا الإنجاز ليس مجرد شهادة تُعلّق على الحائط، بل هو بداية فصل جديد في قصة هذه المدن، حيث يصبح التعلم المستمر هو المحرك الأساسي لنموها ورفاهية سكانها.
قد يتساءل البعض، ما الذي يعنيه بالضبط أن تكون مدينة ما "مدينة تعلم"؟ من وجهة نظري، يتجاوز المفهوم فكرة المدارس والجامعات التقليدية. إنها فلسفة متكاملة تهدف إلى نسج التعلم في كل جانب من جوانب الحياة الحضرية. نتحدث هنا عن إتاحة فرص التعلم للجميع، بغض النظر عن العمر أو الخلفية الاجتماعية، من خلال المكتبات العامة، والمراكز المجتمعية، والمنصات الرقمية، وحتى في أماكن العمل. إنها رؤية تسعى لتحويل المدينة بأكملها إلى قاعة دراسية مفتوحة، تُشجع على الفضول، وتنمي المهارات، وتعزز التماسك الاجتماعي في مواجهة تحديات المستقبل.
إن اختيار هذا الثلاثي بالتحديد يحمل دلالات عميقة. فالقاهرة، العاصمة النابضة بالحياة والتاريخ، تمثل تحدياً وفرصة في آن واحد لدمج ملايين السكان في منظومة تعليمية مرنة وشاملة. والمنصورة، التي تُعرف بتميزها الأكاديمي والطبي، تمتلك البنية التحتية لتكون نموذجاً في ربط التعليم العالي باحتياجات المجتمع. أما شبين الكوم، عاصمة محافظة المنوفية، فيمثل اختيارها التزاماً بالتنمية المعرفية خارج نطاق المدن الكبرى، وتأكيداً على أن الإبداع والتعلم لا يقتصران على المراكز الحضرية الرئيسية. هذا التنوع الجغرافي والديموغرافي يعكس استراتيجية وطنية واعية لنشر ثقافة التعلم في مختلف ربوع مصر.
لكن الانضمام إلى الشبكة هو خطوة البداية وليس النهاية. التحدي الحقيقي يكمن الآن في تحويل هذا الاعتراف الدولي إلى واقع ملموس يشعر به المواطن. يتطلب ذلك تضافر الجهود بين الجهات الحكومية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والأهم من ذلك، مشاركة المواطنين أنفسهم. يجب وضع سياسات واضحة تضمن استدامة المبادرات، وتوفير الموارد اللازمة، وقياس الأثر بشكل دوري. الفرصة سانحة لتبادل الخبرات مع أكثر من ٣٥٠ مدينة حول العالم، والاستفادة من أفضل الممارسات العالمية لتصميم مستقبل أكثر إشراقًا لسكان هذه المدن.
في الختام، يمثل هذا الإنجاز أكثر من مجرد خبر سار؛ إنه استثمار طويل الأمد في أثمن ما تملكه مصر: عقول أبنائها. إن بناء مدن تتعلم هو في جوهره بناء لمستقبل قائم على المعرفة والابتكار والمرونة. نأمل أن يكون انضمام القاهرة والمنصورة وشبين الكوم هو الشرارة التي تلهم مدناً مصرية أخرى للسير على نفس الدرب، لتتحول خريطة مصر بأكملها إلى شبكة نابضة بالحياة من منارات العلم التي تضيء الطريق نحو مستقبل مستدام ومزدهر للجميع.