61.6 مليار درهم: الكشف عن الفاتورة الحقيقية للطموح المغربي في ميزانية 202561-6-Billion-Dirhams-Unveiling-Moroccan-Ambition-True-Cost-in-2025-Budget

61-6-Billion-Dirhams-Unveiling-Moroccan-Ambition-True-Cost-in-2025-Budget


عندما تُعلن الخزينة العامة للمملكة عن تجاوز العجز في الميزانية حاجز 61 مليار درهم مغربي، فإن هذا الرقم لا يمثل مجرد فجوة محاسبية، بل هو مؤشر صارخ على التكلفة الحقيقية للاستراتيجيات الوطنية الطموحة التي تسعى المملكة لتحقيقها. الرقم، الذي استقر تحديداً عند 61.6 مليار درهم مع نهاية الفصل الرابع من عام 2025، يضع تحدياً مالياً كبيراً أمام صانعي القرار. في السياق الاقتصادي الكلي، يعكس العجز الفرق بين الإيرادات العادية للدولة (باستثناء أي أموال تُجمع من القروض الجديدة) وبين النفقات الإجمالية. ورغم أن التقارير تشير إلى أن الموارد العادية قد بلغت مستوى محترماً يصل إلى 637.6 مليار درهم، فإن هذا الإنجاز في جمع الإيرادات لم يكن كافياً لامتصاص الزيادة المتسارعة في الإنفاق العام. إن حجم هذا العجز يشير بشكل واضح إلى أن ضغوط الإنفاق، سواء كانت مدفوعة بالاستثمارات الهيكلية الكبرى أو ببرامج الحماية الاجتماعية التي تم توسيعها مؤخراً، فاقت بكثير التوقعات المرسومة لنمو الإيرادات الضريبية والجمركية. التساؤل الجوهري هنا ليس عن وجود العجز بحد ذاته، فغالبية الاقتصادات النامية تعتمد على العجز لتمويل النمو، بل عن كيفية تمويل هذا المبلغ الضخم وما هي تداعياته على استقرار المالية العامة في السنوات اللاحقة.

التعمق في بنية الميزانية يكشف عن صراع مستمر بين الضرورات الآنية والتطلعات المستقبلية. من جانب، هناك جهود حثيثة لرفع كفاءة تحصيل الإيرادات، وهو ما يتضح في المستوى المرتفع للموارد العادية المحصلة. ولكن على الجانب الآخر من المعادلة، نجد أن الزيادة في الإنفاق الحكومي لم تكن اختيارية في معظمها؛ فقد فرضت مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية ضغوطاً تصاعدية لا يمكن تجاهلها. على المستوى الداخلي، تستمر الحكومة في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الضخمة التي تعتبر حجر الزاوية في النموذج التنموي الجديد – من مشاريع تحلية المياه إلى خطوط السكك الحديدية عالية السرعة. كما أن استمرار الدعم لبعض المواد الأساسية، رغم جهود الترشيد، يمثل عبئاً مستمراً على الخزينة. علاوة على ذلك، فإن الالتزامات المتعلقة بإعادة الإعمار في المناطق المتضررة من الزلازل وبرامج تعميم الحماية الاجتماعية تتطلب تخصيص مبالغ رأسمالية وتشغيلية هائلة. هذا التناقض بين استقرار الموارد وضخامة النفقات يوضح أن المغرب يمر بمرحلة إنفاق استثنائي، حيث يتم تضحية جزء من التوازن المالي الحالي لصالح بناء قدرات اقتصادية ومجتمعية طويلة الأجل، لكن هذا التضحية تحتاج إلى إدارة حكيمة لضمان عدم خروج الدين العام عن السيطرة.

وجهة نظري الخاصة في تحليل هذا العجز تنحو إلى التمييز بين أنواع الديون. لا يجب النظر إلى عجز قدره 61.6 مليار درهم كفشل مالي تلقائي، بل كاستثمار يمكن أن يكون مبرراً إذا تم توجيه الإنفاق بفعالية قصوى. إذا كانت النسبة الأكبر من هذا العجز تمول مشاريع ذات عائد اقتصادي واضح ومحدد الأجل (مثل البنية التحتية اللوجستية التي تعزز التنافسية أو الاستثمار في الطاقة النظيفة التي تقلل الاعتماد على الاستيراد)، فيمكن اعتبارها ديوناً منتجة. المشكلة تكمن عندما يتم توجيه جزء كبير من هذا المبلغ لتمويل نفقات تشغيلية جارية أو دعم لا يصل إلى مستحقيه بفعالية. التحدي الأكبر الذي يواجه الإدارة المالية المغربية هو ضمان أن تكون هذه المرحلة من الإنفاق هي مرحلة انتقالية وليست حالة دائمة. يجب أن تكون هذه الاستثمارات الكبيرة قادرة على توليد إيرادات غير دورية ومستدامة في المستقبل القريب جداً، لكي تتمكن الدولة من خدمة هذا الدين المتراكم. وإلا، فإن اللجوء المتكرر إلى القروض لتغطية العجز سيؤدي حتماً إلى تضييق الهامش المالي المتاح للحكومات المستقبلية، ويزيد من عبء خدمة الدين على حساب الإنفاق الاجتماعي والتنموي الضروري.

أما بخصوص التداعيات والخيارات المتاحة لتمويل هذا العجز الكبير، فإنها تتركز أساساً في الاستدانة، سواء الداخلية عبر إصدار سندات الخزينة أو الخارجية عبر اللجوء إلى الأسواق الدولية أو المؤسسات المالية متعددة الأطراف. اللجوء إلى الاقتراض الداخلي يضع ضغوطاً على السيولة المتاحة للقطاع الخاص، مما قد يؤثر سلباً على معدلات الفائدة وقدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على الحصول على التمويل. في المقابل، فإن زيادة الاستدانة الخارجية تعرض البلاد لتقلبات أسعار الصرف وتربط جزءاً أكبر من الناتج المحلي الإجمالي بسداد خدمة الدين بالعملة الصعبة. لمواجهة هذا المأزق، يجب على الحكومة أن تتبنى استراتيجية مزدوجة: أولاً، تعزيز الإصلاحات الهيكلية الضريبية لضمان العدالة وتوسيع الوعاء الضريبي دون خنق الاستثمار، وثانياً، مراجعة شاملة لكفاءة الإنفاق العام. يجب أن يكون هناك تركيز صارم على تحديد أولويات المشاريع، وتأجيل أو إلغاء أي نفقات لا تضيف قيمة مضافة مباشرة. إن كل درهم يُصرف يجب أن يقابله عائد واضح وملموس، لأن تكلفة التراخي في إدارة العجز اليوم ستدفع فاتورته الأجيال القادمة عبر ارتفاع مستويات الدين وتباطؤ النمو الاقتصادي المحتمل.

في الختام، يُعد العجز البالغ 61.6 مليار درهم بمثابة صافرة إنذار تتطلب يقظة اقتصادية قصوى لعام 2026 وما بعده. المغرب يخطو خطوات عملاقة نحو التنمية والتحول الاقتصادي، لكن هذه الخطوات لا تأتي بثمن بخس. الإدارة الحالية للمالية العامة تواجه مهمة صعبة تتطلب الموازنة بين الحاجة الملحة للإنفاق الاستراتيجي وبين ضرورة الحفاظ على استدامة المؤشرات المالية الكلية. يجب أن تتركز الجهود المقبلة ليس فقط على كيفية تغطية هذا العجز عبر الاقتراض، بل على كيفية ضمان أن يصبح الاقتصاد المغربي أكثر إنتاجية وتنوعاً وقدرة على توليد الموارد الذاتية. إن الهدف الأسمى هو الوصول إلى نقطة يقل فيها الاعتماد على القروض لتمويل الإنفاق الجاري، وتصبح الإيرادات المتأتية من قطاعات جديدة وواعدة (مثل الطاقات المتجددة أو الخدمات المالية الإقليمية) هي المحرك الأساسي لخزينة الدولة. إن التزاماً راسخاً بالشفافية والمساءلة في الإنفاق هو الضمان الوحيد لتحويل هذا العجز المالي الكبير من عبء يثقل كاهل الأمة إلى استثمار مدروس في مستقبل مزدهر ومستدام.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url