أبعد من مجرد مقاطعة: صراع التكوين يكشف تحديات التعليم العالي بالمغربBeyond-The-Boycott-Moroccos-Higher-Education-Challenges-Formation-Struggle

Beyond-The-Boycott-Moroccos-Higher-Education-Challenges-Formation-Struggle


شهد المشهد التعليمي في المغرب تطورًا لافتًا يُنذر بتصعيد محتمل، مع إعلان النقابة الوطنية للتعليم العالي، الصوت الأكثر تمثيلًا للأساتذة الجامعيين في المملكة، دعوتها لمقاطعة برنامج تكويني حيوي. القرار الذي اتخذه المكتب الوطني للنقابة يستهدف أساتذة المراكز الجهوية للتربية والتكوين، ويقضي بمقاطعة التكوين الذي أدرجته وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة ضمن جدول أعمالها للفترة الممتدة من 25 يناير إلى فاتح فبراير 2026. هذه الخطوة، التي جاءت في مذكرة داخلية موجهة إلى كافة الأعضاء والأساتذة الباحثين، ليست مجرد رفض لبرنامج محدد، بل هي بمثابة إشارة قوية إلى وجود خلافات عميقة وتحديات هيكلية تلوح في أفق العلاقة بين الهيئة الأكاديمية وصانعي القرار.

إن توقيت هذا الإعلان، قبل عامين تقريبًا من موعد التكوين المقترح، يُعد دليلاً واضحًا على الطبيعة الاستراتيجية لهذا الاعتراض، مما يشير إلى أن النقابة لا ترد على أمر واقع، بل تتخذ موقفًا استباقيًا حازمًا ضد توجه عام أو سياسة محددة. غالبًا ما تنبع مثل هذه التحركات النقابية من إحساس عميق بغياب التشاور الفعال، أو القلق بشأن جودة البرامج التدريبية وملاءمتها، أو ربما من مخاوف أوسع تتعلق بوضع الأساتذة الجامعيين وحقوقهم المهنية ومسؤولياتهم الأكاديمية. قد يكون هذا التكوين تحديدًا نقطة تفجر لمطالب أقدم أو اعتراضات متراكمة حول المناهج التعليمية، أو شروط العمل، أو حتى استقلالية البحث العلمي والتعليم الجامعي. فالمراكز الجهوية للتربية والتكوين هي عصب إعداد الأطر التعليمية المستقبلية، وأي تدخل في برامجها يحمل أبعادًا تتجاوز مجرد جلسات تدريبية.

يترتب على هذه المقاطعة تداعيات كبيرة تمس أطرافًا متعددة في المنظومة التعليمية. فبالنسبة للأساتذة المشاركين، قد يعني ذلك حرمانهم من فرص تطوير مهني (إذا كان التكوين ذا قيمة حقيقية)، أو على النقيض، تحريرهم من برنامج يرون أنه لا يخدم مصالحهم المهنية أو يفتقر إلى الجودة. أما بالنسبة لوزارة التربية الوطنية، فإن هذا الإعلان يمثل تحديًا مباشرًا لسلطتها وقدرتها على تنفيذ برامجها الإصلاحية. إن فشلها في إقناع الشركاء الاجتماعيين، لا سيما النقابة الأكثر تمثيلًا، بمثل هذه المبادرات الحيوية يمكن أن يقوض مصداقيتها ويعرقل مسار الإصلاحات. والأهم من ذلك، أن التأثير الأكبر قد يقع على جودة إعداد الأجيال القادمة من المعلمين، فالتعليم والتدريب المستمر للأساتذة هو حجر الزاوية في بناء نظام تعليمي قوي ومرن قادر على مواكبة التغيرات والتحديات.

من وجهة نظري ككاتب متابع للشأن التعليمي، فإن هذه المقاطعة ليست سوى قمة جبل الجليد لصراع أعمق حول الرؤى والتصورات المستقبلية للتعليم العالي بالمغرب. إن إعلان المقاطعة المسبق، قبل عامين من الموعد، يشير إلى أن النقابة تعتقد أن المسار الحالي للتكوين المقترح، أو ربما الإطار العام الذي تتبناه الوزارة، يتعارض جوهريًا مع المبادئ الأكاديمية أو المهنية للأساتذة. قد ترى النقابة أن التكوين يُفرض من الأعلى دون مراعاة لاحتياجات الواقع الميداني أو الخبرة الأكاديمية للجامعيين، أو أنه يمثل محاولة لإعادة هيكلة قد تُفقد الأساتذة جزءًا من استقلاليتهم أو مكانتهم. هذا التوتر يسلط الضوء على ضرورة وجود حوار بناء ومستمر، تتجاوز فيه الأطراف مجرد المواجهة، نحو صياغة رؤية مشتركة تضمن التوازن بين متطلبات الإصلاح التربوي وحماية حقوق وكرامة الأستاذ الجامعي، الذي يُعد العنصر الأساسي في أي عملية تطوير حقيقية.

للخروج من هذا المأزق، يتطلب الأمر أكثر من مجرد التراجع أو الإصرار على المواقف. يجب على وزارة التربية الوطنية والنقابة الوطنية للتعليم العالي الجلوس إلى طاولة الحوار بشكل جدي وشفاف، ليس فقط لمناقشة تفاصيل هذا التكوين، بل للغوص في الأسباب الجذرية لهذا الخلاف. يجب أن يكون الهدف هو بناء الثقة المتبادلة وتحديد أرضية مشتركة تُمكن من صياغة برامج تكوينية تلبي المعايير الأكاديمية العليا وتستجيب لاحتياجات الأساتذة والقطاع التعليمي برمته، مع احترام استقلالية الجامعات والبحث العلمي. إن مصير جودة التعليم في المغرب وفعالية إصلاحاته مرهون بقدرة هذه الأطراف على تجاوز الخلافات والعمل معًا نحو مستقبل أفضل، حيث يكون الأستاذ الجامعي شريكًا فاعلًا لا مجرد منفذًا للتعليمات، وحيث يتم التكوين كآلية للتطوير لا كأداة للفرض.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url