أثمان الحرب: جثامين تعود لتنضم إلى حكاية غزة المؤلمة - وقفة مع الإنسانية وسط الركامThe-Costs-of-War-Bodies-Return-to-Gaza's-Painful-Story-A-Stand-for-Humanity-Amidst-the-Rubble
في خضم الآلة الحربية التي لا تتوقف عن الدوران، وحيث تغطي أصوات الانفجارات على همسات الحزن، تصلنا أخبار تبدو كأنها فواصل إنسانية قصيرة في سيمفونية الدمار المستمرة. تأكيد اللجنة الدولية للصليب الأحمر على تسهيل عملية إعادة خمسة عشر جثمانًا فلسطينيًا إلى قطاع غزة ليس مجرد إحصائية عابرة في سجلات النزاع؛ بل هو لحظة ثقيلة تستدعي التوقف والتأمل العميق في ثمن الصراعات. هذه الأجساد، التي كانت يومًا ما جزءًا من نسيج مجتمعي هش، تعود الآن إلى حضن الأرض، في ختام لمراحل من المفاوضات والترتيبات الإنسانية المعقدة التي أعقبت تبادلًا سابقًا لرهائن إسرائيليين. إنها عملية إعادة، لكنها إعادة محفوفة بالمرارة، تضع الإنسانية أمام مرآة الحقيقة القاسية: في الحروب، لا ينجو أحد من الخسارة، حتى في لحظات التبادل والتسليم.
إن العملية التي وصفت بأنها 'استكمال لعملية استمرت عدة أشهر' تلقي الضوء على البيروقراطية المأساوية التي تحيط بالتعامل مع الموتى في مناطق النزاع. لا يتعلق الأمر فقط بإعادة الجثامين، بل هو اعتراف ضمني باستمرار الخسائر البشرية التي تتراكم تحت طبقات الصمت الإعلامي. كل جثمان يحمل قصة عائلة منتظرة، ونافذة انطفأت فيها شمعة الأمل منذ زمن. لعل هذا الترتيب، الذي جاء بعد عملية إطلاق سراح آخر رهينة إسرائيلي محتجز في القطاع، يمثل محاولة بائسة لإيجاد توازن أخلاقي هش في معادلة الموت والحياة. لكن هذا التوازن هش للغاية؛ فبقدر ما يشعر البعض بالارتياح لعودة أحبائهم، حتى لو كانوا أمواتًا، يبقى السؤال الأكبر: ما هي الكلفة النهائية لهذا التوازن؟ وهل يمكن لصفقة تبادل أن تسترخي على وحشية الحصار والقصف المتواصل؟
من منظوري كمحلل يتابع عن كثب ديناميكيات الصراع، فإن هذه المبادرات التي تقودها منظمات محايدة مثل الصليب الأحمر، رغم أهميتها الحيوية في الحفاظ على الحد الأدنى من البروتوكولات الإنسانية، تكشف عن فشل ذريع للأنظمة السياسية والأخلاقية الحاكمة. عندما يصبح نقل الأجساد المشوهة عبر نقاط التفتيش معركة دبلوماسية وإنسانية تستغرق أشهرًا، فهذا يعني أن مفاهيم الكرامة الآدمية قد تراجعت إلى مرتبة الامتيازات التفاوضية لا الحقوق الأساسية. أنا أرى في هذا الحدث دليلاً قاطعاً على أن آليات الحرب قد شوهت مفهوم الرحمة ذاته، محولة إياه إلى أداة تُستخدم لضبط الإيقاع السياسي لا لإنهاء المعاناة. فالأجساد تتحول إلى عملة في سوق المساومات الدولية، وهو ما يفرض علينا كمتلقين للمعلومات أن نرفض تجميل هذه الحقيقة.
ما يثير الدهشة والأسى في آن واحد هو التناقض الصارخ بين هذه اللفتة الإنسانية المحدودة وبين السياق الأشمل للوضع في غزة. فبينما يتم التركيز على إجراءات إعادة الجثامين، يستمر القصف، وتتفاقم الأزمة الإنسانية في غياب الغذاء والدواء والمأوى. إعادة الخمسة عشر جسدًا هي لمسة رحمة موجهة لعائلاتهم، نعم، لكنها لا تمس جوهر الكارثة. هي كقطرة ماء في صحراء النكبات المتراكمة. إن المجتمع الدولي، الذي يراقب هذه العمليات بحذر شديد، يجب أن يسأل نفسه: هل اكتفينا بدور المراقب والمسهل لعمليات الدفن؟ أم أن واجبنا الأخلاقي يقتضي الضغط الجذري لوقف تدفق المزيد من الجثامين إلى هذا القطاع المنكوب أصلاً؟ الإنسانية الحقيقية تكمن في حماية الأحياء، وليس فقط في تسهيل وداع الأموات.
في الختام، يجب أن نعتبر عودة هذه الجثامين ليست مجرد خبر عابر في قسم 'خارج الحدود'، بل صرخة مكتومة للمطالبة بوقف التصعيد والاعتراف الكامل بقيمة كل روح بشرية، فلسطينية كانت أم إسرائيلية. إن العمل الذي قامت به اللجنة الدولية للصليب الأحمر هو شهادة على أن خيوط الاتصال الإنساني لا تنقطع تمامًا، حتى في أشد الظروف قتامة. ولكن هذا الإنجاز الإنساني يجب أن يكون دافعًا للمجتمع الدولي للتحرك نحو الحل السياسي الشامل، بدلاً من الاكتفاء بـ'تسهيل العمليات' و'إعادة اللملمة' بعد كل موجة عنف. فكفى دمًا، وكفى جثامين تُعاد إلى أرض منهكة بالفعل. الوفاء لهذه الأرواح الراحلة يقتضي ضمان عدم انضمام المزيد من الأبرياء إلى صفوفهم.