ظل المسيرات فوق تيغراي: عندما ينهار السلام المعلن تحت وابل الطائرات المسيّرةDrones-Shadow-Over-Tigray-Peace-Collapses-Under-Drone-Strikes

Drones-Shadow-Over-Tigray-Peace-Collapses-Under-Drone-Strikes


في خضم الاحتفالات بـ 'السلام' المزعوم في منطقة تيغراي الإثيوبية، يظهر واقع آخر قاسٍ على الأرض يمزق الهدنة الهشة. الخبر الذي وصل مؤخراً، عن مقتل شخص وإصابة آخر في هجوم بطائرة مسيرة، ليس مجرد حادث عابر؛ إنه شهادة صارخة على فشل الوعود السياسية وتآكل الثقة. عندما يُعلن عن وقف إطلاق النار رسمياً وتوقع اتفاقيات سلام، يتوقع السكان المحليون أن يفتح ذلك الباب لعودة الحياة الطبيعية، لكن ما يحدث في تيغراي هو استمرار لنموذج النزاع الهجين، حيث تتوارى الميليشيات التقليدية خلف التكنولوجيا العسكرية المتقدمة. بالنسبة للسكان الذين عانوا سنوات من القصف والنزوح، فإن صوت الطائرة المسيرة في سماء المنطقة هو تذكير يومي بأن الحرب لم تنتهِ، بل غيرت أساليبها. هذا الهجوم الأخير هو بمثابة رصاصة أطلقت على جسد اتفاقية بريتوريا، مهددة بتقويض جهود إعادة الإعمار وإرساء الاستقرار قبل أن تبدأ فعلياً.

الأثر الإنساني لهذه الهجمات يتجاوز بكثير مجرد الإحصاءات. في منطقة تعتمد بشكل كبير على المساعدات الإغاثية لإطعام سكانها، يمثل أي هجوم جديد انتكاسة هائلة للجهود الإنسانية. موظفو الإغاثة الذين يعملون في تيغراي يسعون جاهدين لتوصيل المساعدات في بيئة شديدة الصعوبة، حيث تعاني البنية التحتية من دمار شبه كامل. عندما يتم استهداف الأفراد العزل، سواء كانوا مدنيين أو عاملين في مجال الإغاثة، فإن ذلك يبعث برسالة واضحة مفادها أن لا مكان آمناً. هذا الهجوم ليس مجرد استهداف لمواقع عسكرية؛ إنه استهداف للقدرة على التعافي. العائلات التي فقدت أحباءها أو أصيبت بجروح نتيجة هذه الهجمات تعيش في حالة من الذعر المستمر. إنهم محاصرون بين الصراع السياسي المستمر والحاجة الملحة للبقاء على قيد الحياة، في حين تتضاءل آمالهم في عودة السلام الحقيقي يوماً بعد يوم. إن تجاهل هذه الحوادث يعني إدانة السكان في تيغراي بالبقاء في حالة نزاع دائم.

على المستوى الجيوسياسي، تسلط هذه الهجمات الضوء على الدور المتنامي لـ 'حرب الطائرات المسيرة' في الصراعات الإقليمية، وخاصة في منطقة القرن الأفريقي. إن استخدام المسيرات يوفر ميزة تكتيكية كبيرة للجهات الفاعلة، حيث يمكن تنفيذ هجمات دقيقة دون تعريض القوات البرية للمخاطر. ومع ذلك، فإن هذا الاستخدام يثير تساؤلات جدية حول المسؤولية والمساءلة. من يضغط على الزناد؟ ومن يزود هذه الجهات بالقدرات التكنولوجية؟ في سياق تيغراي، حيث تتداخل المصالح الإثيوبية والإريترية، فإن هجمات المسيرات تمثل أداة لفرض النفوذ والسيطرة عن بعد. إنها تسمح باستمرار الضغط العسكري دون خرق واضح للاتفاقيات الدولية أو الإقليمية. هذا التحول التكتيكي يعني أن الصراع لم يعد مجرد مسألة نزاع داخلي بين إثيوبيا وتيغراي، بل هو انعكاس لتوازن قوى إقليمي معقد، حيث تتنافس القوى الخارجية على النفوذ في منطقة استراتيجية.

تثير هذه الحادثة تساؤلات جوهرية حول مدى جدية الأطراف في تنفيذ اتفاقية السلام الموقعة في بريتوريا عام 2022. الاتفاقية، التي كان يُنظر إليها على أنها نهاية للصراع المسلح، تركت العديد من القضايا الجوهرية دون حلول واضحة، أبرزها مصير منطقة غرب تيغراي المتنازع عليها، وعملية نزع السلاح الكاملة لجميع الأطراف. استمرار العنف، حتى بمقاييس صغيرة مثل الهجمات الفردية، يدل على أن اتفاقية السلام لم تحقق بعد التوافق اللازم على الأرض. إنها مجرد هدنة مؤقتة وليست حلاً شاملاً. من وجهة نظري، فإن هذا الهجوم يوضح أن الالتزامات السياسية لم تترجم إلى واقع عملي. عندما يتم استخدام الطائرات المسيرة لاستهداف الأفراد، فإن ذلك يؤكد أن هناك أطرافاً لا تزال ترى الحل العسكري هو الأفضل، بدلاً من التفاوض السياسي الشامل الذي يضمن حقوق جميع الأطراف. هذا يقوض الثقة ويجعل عملية إعادة بناء المجتمع المدني أمراً شبه مستحيل.

إن مقتل شخص واحد وإصابة آخر في هجوم بطائرة مسيرة في تيغراي، قد يبدو رقماً ضئيلاً في سياق صراع راح ضحيته الآلاف، لكنه يمثل في الواقع نقطة تحول خطيرة. إنها رسالة مفادها أن الاستقرار في المنطقة لا يزال بعيد المنال، وأن العنف قد يتحول إلى نمط حياة يومي للسكان. المسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي لعدم السماح لهذا الصراع بالتحول إلى نزاع منسي. يجب الضغط على جميع الأطراف الموقعة على اتفاقية السلام لضمان التنفيذ الكامل للالتزامات، والمساءلة عن أي خروقات، خاصة تلك التي تستهدف المدنيين. إن السلام الحقيقي لا يُعلن عنه بتوقيع ورقة، بل يُبنى بالتزام يومي بوقف إراقة الدماء، وحماية الأرواح، والعمل على بناء مستقبل مشترك خالٍ من التهديدات العسكرية. ما لم يتم اتخاذ خطوات حقيقية لوقف هذه الهجمات، فإن شبح الحرب سيظل يخيم على تيغراي، ويحول أية جهود سلام إلى مجرد سراب.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url