معركة العمالقة المجهولين: هل يستفيد الجيش النيجيري من صراع «داعش» و«بوكو حرام»؟Nigerian-Army-Benefit-ISIS-Boko-Haram-Conflict-Analysis

Nigerian-Army-Benefit-ISIS-Boko-Haram-Conflict-Analysis


في خضم فوضى الصراعات الإقليمية، تظهر أحيانًا مفارقات غريبة حيث يتحول ألد أعداء الأمس إلى أعداء لبعضهم البعض اليوم، ليفتحوا بذلك نافذة من الفرص للقوى المعادية لهما معًا. هذا هو بالضبط المشهد الذي يتكشف في منطقة بحيرة تشاد، حيث تتناحر الفصائل المتطرفة على السلطة والنفوذ. الخبر الأخير الذي وصل من نيجيريا يشير إلى نجاح الجيش النيجيري في القضاء على قائدين بارزين من تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا (ISWAP)، مستغلًا ربما الفوضى الناتجة عن المواجهات الدامية المستمرة بين «داعش» وخصمها اللدود «بوكو حرام». هذه ليست مجرد أخبار عابرة عن خسارة تكتيكية للمتطرفين، بل هي شهادة على الديناميكية المعقدة للصراعات الداخلية التي تهيمن على المشهد الأمني في المنطقة. الصراع بين هذين التنظيمين الإرهابيين، اللذين يتقاسمان أصولاً إيديولوجية مشتركة ولكنهما يختلفان على الاستراتيجية والقيادة، يمثل فصلًا جديدًا في تاريخ الإرهاب. فبدلًا من توحيد صفوفهما ضد الدولة، يفضلون الاقتتال الداخلي لتحديد من سيكون له اليد العليا في السيطرة على الموارد والمناطق الاستراتيجية. هذا السيناريو يثير تساؤلات حول مدى قدرة نيجيريا وحلفائها على تحويل هذا الاقتتال إلى ميزة استراتيجية دائمة، أم أنه مجرد فترة راحة مؤقتة تسبق ظهور تهديدات جديدة أكثر تعقيدًا.

تاريخيًا، لم يكن الصراع بين «داعش» و«بوكو حرام» أمرًا مفاجئًا تمامًا، بل هو نتيجة طبيعية للانقسام العميق الذي حدث في عام 2016. عندما أعلن أبو بكر شيكاو، زعيم بوكو حرام آنذاك، الولاء لـ «داعش» (ISIL)، سرعان ما ظهرت الخلافات حول التكتيكات والأهداف. انشق فصيل «داعش» في غرب أفريقيا (ISWAP)، بقيادة أبو مصعب البرناوي، الذي اتبع نهجًا أكثر «مرونة» في التعامل مع السكان المحليين، بهدف كسب القلوب والعقول عبر تقديم خدمات بدائية وفرض نوع من الحكم. في المقابل، ظل شيكاو متمسكًا بتكتيكاته الوحشية ضد المدنيين المسلمين والمسيحيين على حد سواء، مما أدى إلى نفور السكان المحليين منه. هذه الانقسامات الأيديولوجية والبراغماتية هي التي غذت الصراع المستمر، ليس فقط على النفوذ، ولكن أيضًا على الموارد المالية والمناطق الغنية بالصيد والضرائب. القتل الأخير لقائدين بارزين في صفوف «داعش» خلال هذه المعارك الداخلية يوضح مدى حدة الصراع. بالنسبة للجيش النيجيري، فإن استغلال هذه التوترات الداخلية يعد استراتيجية «القضاء على الرؤوس» (Decapitation Strategy)، وهي استراتيجية تعتمد على إزالة القيادات العليا في التنظيمات بهدف إضعافها وإحداث ارتباك في صفوفها. هذه الاستراتيجية أثبتت فعاليتها في بعض الأحيان، لكنها غالبًا ما تؤدي إلى ظهور قادة جدد أكثر تطرفًا أو انقسام التنظيم إلى خلايا أصغر يصعب السيطرة عليها.

لا يمكن فصل هذا النجاح العسكري الأخير عن سياق أوسع لديناميكيات مكافحة التمرد في نيجيريا. ففي الوقت الذي تتعرض فيه الحكومة النيجيرية لانتقادات شديدة بسبب فشلها في احتواء العنف الذي تشنه بوكو حرام على مدى العقد الماضي، فإن الإعلان عن القضاء على قائدين بارزين يمثل انتصارًا دعائيًا مهمًا. لكن السؤال الأعمق هو: هل تستطيع نيجيريا أن تحول هذا النجاح التكتيكي إلى مكسب استراتيجي دائم؟ تعتمد الإجابة على قدرة الجيش على استغلال الفراغ القيادي الناتج عن هذه الوفيات. غالبًا ما تؤدي عمليات تصفية القادة إلى فراغ في السلطة يثير صراعًا داخليًا جديدًا، مما يشغل المقاتلين عن مواجهة القوات الحكومية. ومع ذلك، فإن التاريخ يوضح أن هذه التنظيمات تظهر مرونة فائقة في إعادة بناء صفوفها وتعيين قادة جدد. لذلك، يجب على الجيش النيجيري عدم الاكتفاء بالانتصار اللحظي، بل يجب عليه مواصلة الضغط العسكري والاستراتيجي على هذه المجموعات. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تتضمن الاستراتيجية حلولًا طويلة الأمد تعالج الأسباب الجذرية للتطرف، مثل الفقر المدقع، وغياب الحكم الرشيد، وتدهور التعليم في المناطق المتضررة. فما لم يتم معالجة هذه القضايا الأساسية، سيستمر تدفق الشباب اليائس إلى صفوف المتطرفين، بغض النظر عن عدد القادة الذين يتم القضاء عليهم.

الآثار المترتبة على هذا الصراع الداخلي تتجاوز حدود نيجيريا. فالمنطقة الأوسع لبحيرة تشاد، بما في ذلك الكاميرون والنيجر وتشاد، تشترك في تحدي التعامل مع التهديد الإرهابي. فصيل «داعش» في غرب أفريقيا (ISWAP) يعتبر حاليًا الأكثر خطورة والأكثر تنظيمًا، ويمتد نفوذه عبر الحدود. إن ضعف بوكو حرام نتيجة الصراع الداخلي يمثل تحولًا في ميزان القوى لصالح «داعش». ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن المنطقة أصبحت أكثر أمانًا. فبينما يستغل الجيش النيجيري الصراع الداخلي، فإن خطر تفرق المقاتلين المنهزمين في بوكو حرام إلى خلايا أصغر وتوحدهم مع جماعات إجرامية أخرى يظل قائمًا. هذه الخلايا الأصغر يصعب تعقبها ومواجهتها، وقد تحول نشاطها إلى عمليات خطف وقتل عشوائية. بالإضافة إلى ذلك، يخشى المحللون من أن يؤدي تفكك التنظيمات الكبيرة إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة، حيث يؤدي الصراع إلى نزوح المزيد من المدنيين وتدمير البنية التحتية الأساسية. إن نجاح الجيش النيجيري في القضاء على القائدين ليس سوى خطوة أولى في مواجهة شبكة معقدة من التهديدات المترابطة.

في الختام، بينما تقدم أخبار القضاء على قائدين بارزين من «داعش» شعاعًا من الأمل للقوات الحكومية في نيجيريا، فمن الضروري التعامل مع هذه التطورات بحذر شديد. الصراع الداخلي بين «داعش» و«بوكو حرام» يكشف عن ضعف بنيوي في هذه التنظيمات، وهو ما يوفر فرصة ذهبية للجيش النيجيري لشن هجمات استباقية. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذا الانتصار بمثابة نهاية للصراع. إن القضاء على القادة هو مجرد تكتيك عسكري، ولكن الحل الاستراتيجي يتطلب جهدًا دوليًا وإقليميًا شاملًا. يجب أن تركز الاستجابة على بناء قدرات الحكم المحلي في المناطق المتضررة، وتوفير فرص التنمية الاقتصادية، وإعادة تأهيل المجتمعات التي تضررت بشدة من الإرهاب. ما لم يتم معالجة جذور المشكلة، ستظل المنطقة عرضة لظهور جماعات متطرفة جديدة. نيجيريا والمنطقة المحيطة بها في مفترق طرق: إما استغلال ضعف الأعداء لتحقيق سلام دائم، أو الاكتفاء بالانتصارات التكتيكية التي لا تقدم حلًا جذريًا.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url