صوت السكون في برازافيل: لماذا تبدو انتخابات الكونغو الرئاسية تحصيل حاصل؟The-Sound-of-Silence-in-Brazzaville-Why-Congo’s-Presidential-Elections-Are-a-Foregone-Conclusion

The-Sound-of-Silence-in-Brazzaville-Why-Congo’s-Presidential-Elections-Are-a-Foregone-Conclusion


مع اقتراب جمهورية الكونغو برازافيل من موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في شهر مارس المقبل، يتزايد الحديث عن المشهد السياسي الذي يبدو وكأنه مسرحية تُعاد فصولها. فبينما يستعد المواطنون لفتح باب الترشح، تلوح في الأفق معالم سباق يبدو أن نتيجته محسومة سلفًا. إن القصة ليست في إمكانية فوز الرئيس الحالي، دينيس ساسو نغيسو، الذي يتصدر المشهد منذ عقود طويلة، بل في قدرة النظام على ترويض العملية الانتخابية بشكل يجعل المنافسة الحقيقية ضربًا من الخيال. هذا الوضع ليس فريدًا في القارة الأفريقية، ولكنه يثير تساؤلات حول طبيعة الديمقراطية ومسارات التداول السلمي للسلطة في دول تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية ضخمة.

التحليل الدقيق للمشهد السياسي الكونغولي يظهر أن تضاؤل حظوظ المعارضة أمام نغيسو لا يعود فقط إلى شعبيته الشخصية (وإن كان لديه قاعدة دعم لا يمكن إغفالها)، بقدر ما يعود إلى بنية السلطة المعقدة التي بناها على مدى عقود. فمنذ عودته إلى السلطة في عام 1997، تمكن نغيسو من تفكيك المعارضة وتأمين ولاء المؤسسات الرئيسية. ولعل أبرز نقطة تحول كانت في عام 2015، عندما تم إجراء استفتاء دستوري سمح له بالترشح لفترة رئاسية جديدة بعد إلغاء الحد الأقصى للعمر وعدد الفترات الرئاسية. هذا التغيير الدستوري أزال أي عوائق قانونية أمام استمراره، ووضع المعارضة أمام حقيقة أنها تناضل ضد نظام لا يقبل التغيير عبر صناديق الاقتراع التقليدية. المعارضة، من جانبها، تعاني من التشرذم الداخلي ونقص الموارد، وغالبًا ما تجد صعوبة في توحيد صفوفها خلف مرشح واحد قادر على تحدي هيمنة الحزب الحاكم.

تتجاوز المشكلة الجوانب السياسية لتمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. تعتمد جمهورية الكونغو بشكل كبير على صادرات النفط، مما يجعل اقتصادها عرضة لتقلبات الأسواق العالمية. ورغم التحديات الاقتصادية والديون المتراكمة، ينجح نغيسو في الحفاظ على شبكات الدعم من خلال استغلال عائدات النفط لتغذية نظام المحسوبية وتوزيع المناصب. هذه الاستراتيجية تخلق طبقة مستفيدة تضمن ولاء النخبة الحاكمة، بينما يظل القطاع الخاص غير النفطي ضعيفًا. في الوقت ذاته، يتم توجيه استثمارات كبيرة في البنية التحتية، وهو ما يتم تقديمه كدليل على التنمية والتقدم، على الرغم من أن العديد من المواطنين العاديين لا يرون تحسنًا ملموسًا في مستوى معيشتهم اليومي. هذا التوازن الدقيق بين توزيع المنافع والحفاظ على الأمن هو ما يمكن النظام من البقاء، حتى مع تزايد عدد الشباب الباحثين عن فرص عمل.

لا يمكن فصل المشهد الكونغولي عن البيئة الإقليمية والدولية. ففي منطقة تعاني من عدم الاستقرار والصراعات، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية المجاورة أو جمهورية إفريقيا الوسطى، غالبًا ما يُنظر إلى استقرار الكونغو برازافيل كأولوية قصوى من قبل القوى الخارجية. هذا الاستقرار النسبي (حتى لو كان استقرارًا تحت حكم شمولي) يجعل شركاء الكونغو الدوليين، وخاصة فرنسا والقوى الأوروبية الأخرى ذات المصالح الاقتصادية، يغضون الطرف عن بعض الممارسات الديمقراطية. إن الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع النفط والغاز يتطلب بيئة مستقرة، ويُنظر إلى نغيسو كشخصية قادرة على توفير هذه البيئة، مما يمنحه غطاءً دوليًا غير مباشر. هذا الدعم الخارجي يقلل من الضغوط على النظام لإجراء إصلاحات ديمقراطية حقيقية، ويزيد من صعوبة مهمة المعارضة في جذب الانتباه الدولي لقضيتها.

بناءً على المعطيات المتاحة، يبدو أن الانتخابات الرئاسية القادمة في مارس لن تكون سوى تأكيد جديد لسلطة الرئيس نغيسو. إنها ليست مجرد منافسة بين مرشحين، بل هي شهادة على نظام سياسي يفضل الاستمرارية على التغيير، والاستقرار القسري على التداول الديمقراطي الحر للسلطة. السؤال الحقيقي الذي يواجه الكونغو ليس من سيفوز في مارس، بل ما الذي سيحدث عندما تنتهي حقبة نغيسو في نهاية المطاف. فغياب معارضة قوية وموحدة، وغياب آلية واضحة لتوريث السلطة ضمن الحزب الحاكم، قد يمهد الطريق لفترة انتقالية مضطربة وغير مضمونة. لذلك، فإن الانتخابات القادمة هي لحظة لإعادة تقييم مسار البلاد، ليس فقط للكونغوليين، ولكن لكل من يهتم بمستقبل الحوكمة الديمقراطية في القارة الأفريقية. إنها قصة تكرار السردية نفسها، حيث يجد التغيير صعوبة في اختراق جدران السلطة الراسخة.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url