طنين النحاس المسروق: شبكة الجريمة التي تلتهم البنية التحتيةStolen-Copper-Racket-Devouring-Infrastructure
مشهد سيارة نفعية مكدسة بكتلة هائلة من الأسلاك النحاسية، تقترب في وزنها من طن كامل، لم يعد مجرد حادث عابر على الطرقات المغربية، بل أصبح مؤشراً صارخاً على تنامي شبكة إجرامية منظمة تستهدف شرايين الاقتصاد الوطني. في قلب إقليم سطات، وبالتحديد في النفوذ الترابي لمركز ولاد فيني، تحول الطريق إلى مسرح لعملية نوعية نفذتها عناصر الدرك الملكي، أفضت إلى توقيف شقيقين كانا يقودان هذه الحمولة المشبوهة. هذا النوع من القضايا، التي تدور حول "حيازة مواد معدنية مجهولة المصدر"، يكشف عن بُعد أعمق بكثير من مجرد سرقة فردية. نحن نتحدث عن جريمة اقتصادية تستغل القيمة العالمية المتصاعدة للنحاس – المعروف بـ "الذهب الأحمر" – لتحقيق أرباح سريعة على حساب سلامة وأمن البنية التحتية العامة. الطن الواحد من الأسلاك الكهربائية ليس مجرد خردة؛ إنه دليل مادي على جريمة خطيرة ربما تكون قد تسببت في تعريض حياة مئات الأشخاص للخطر، سواء عبر سرقة كابلات خطوط السكك الحديدية التي تؤدي إلى تعطل الإشارات، أو تلك الخاصة بشبكات الطاقة التي تهدد بانقطاع التيار. التحقيقات التي تباشرها الجهات الأمنية الآن لا يجب أن تقتصر على معرفة هوية الموقوفين، بل يجب أن تتعمق في تفكيك هذه السلسلة الإمدادية السوداء: من اللصوص الذين يجازفون بحياتهم لقطع الكابلات، مروراً بالناقلين الذين ينقلون البضاعة خلسة، وصولاً إلى التجار الذين يذيبون هذا النحاس ويصرفونه في الأسواق الدولية.
إن الدافع الأساسي وراء هذا النوع من الجرائم هو الارتفاع الفلكي لأسعار المعادن في البورصات العالمية، فمع تحول العالم نحو الطاقة النظيفة والتوسع في استخدام الألياف الضوئية، يزداد الطلب على النحاس كموصل كهربائي أساسي لا يمكن الاستغناء عنه. هذه المعادلة الاقتصادية خلقت سوقاً سوداء مزدهرة حيث يمكن بيع المواد المسروقة بسرعة وبأسعار مغرية، مما يحول الفقراء والمجرمين المنظمين إلى صيادين للبنية التحتية. بالنسبة للشبكات الإجرامية، فإن عملية سرقة طن من النحاس لا تتطلب سوى سيارة نفعية وبعض الأدوات البدائية والجرأة على انتهاك الممتلكات العامة، لكن العائد المادي يمكن أن يفوق بكثير ما يمكن تحصيله من أي نشاط إجرامي تقليدي آخر. ومن وجهة نظري ككاتب متابع لهذه الظواهر، فإن هذه القضايا تكشف عن قصور في الرقابة على نقاط جمع الخردة (La Ferraille) والمستودعات غير المرخصة التي تعمل كقناة رئيسية لشرعنة هذه المسروقات. فما لم تُشدد العقوبات على مشتري النحاس المسروق ويتم تتبعهم بصرامة، ستظل ظاهرة استنزاف الكابلات والخطوط المعدنية قائمة ومستفحلة، لأن الحلقة الأضعف هي غالباً اللص، بينما تكمن القوة الحقيقية في التاجر الذي يمول ويصرف البضاعة، ويشكل شبكة الحماية اللوجستية لهذه التجارة غير المشروعة.
الخسائر المترتبة على سرقة النحاس تتجاوز القيمة المالية للمعدن المسروق بكثير؛ إنها تمس صميم الأمن العام وجودة الحياة اليومية للمواطنين. عندما تُسرق كابلات الإشارة من خطوط القطارات، فإن ذلك لا يهدد فقط بوقوع تأخيرات في المواعيد، بل قد يتسبب في حوادث كارثية تؤدي إلى إزهاق الأرواح. وعندما تُستهدف محولات الطاقة أو خطوط الاتصالات، فإن خدمات أساسية تتوقف، مما يعطل أعمال المستشفيات والمؤسسات والبيوت. هذه الأضرار غير المباشرة، التي غالباً ما لا تُحتسب بشكل كامل في تقارير الخسائر، هي ما يجب أن يعطي هذه الجريمة تصنيفاً أخلاقياً ووطنياً أكثر خطورة من السرقة العادية. هذه ليست سرقة لممتلكات خاصة يمكن تعويضها، بل هي تخريب ممنهج للأصول الوطنية التي بنيت بجهد وأموال دافعي الضرائب. إن رؤيتي هنا تتمحور حول ضرورة التوعية بأن كل قطعة نحاس مسروقة يتم تداولها في السوق السوداء هي في واقع الأمر قطعة من البنية التحتية للمستقبل، تُنتزع لتتحول إلى ربح عاجل وغير مشروع لأفراد قلائل، بينما يدفع الثمن المجتمع بأكمله في شكل خدمات رديئة أو انقطاعات متكررة.
تُعد عملية إيقاف الشقيقين في سطات فرصة ذهبية للدرك الملكي لفك ألغاز شبكة الإجرام هذه، والتحول من ضبط الحيازة إلى تتبع المصدر. إن التحدي الأكبر يكمن في تحديد المنطقة التي استُهدفت بعملية السرقة هذه. هل هي خطوط تابعة للمكتب الوطني للسكك الحديدية (ONCF)؟ أم شبكات توزيع الكهرباء التابعة للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب (ONEE)؟ أم ربما أسلاك اتصالات قديمة؟ التحقيقات التقنية والجنائية يجب أن تركز على تحليل نوعية الأسلاك، وطريقة قطعها، وأي علامات تعريفية متبقية، مما قد يقود إلى تحديد المنطقة الجغرافية المستهدفة وبالتالي إلى تحديد النمط الجنائي الذي اتبعته العصابة. هذه ليست مهمة سهلة، خصوصاً وأن اللصوص يتخذون أقصى درجات الحذر لإزالة أي بصمات تدل على أصل المواد. القانون هنا يلعب دوراً حاسماً، فالشبهة تدور حول حيازة مواد مجهولة المصدر، وهو تهمة أسهل في الإثبات من السرقة الموصوفة، ولكن نجاح القضية يتطلب تحويل هذه الشبهة إلى إثبات للتخريب والسرقة المنظمة، مما يتطلب تنسيقاً عالياً بين الدرك الملكي والمؤسسات الوطنية المتضررة لتقديم شهادة قاطعة بأن هذه المواد تنتمي إلى ملكيتها العامة، وبالتالي ضمان تطبيق أقصى العقوبات الرادعة.
في الختام، إن ضبط طن من الأسلاك النحاسية في قلب سطات يجب أن يمثل نقطة تحول في التعامل الأمني والإداري مع ظاهرة سرقة المعادن. يجب أن تتبنى الدولة استراتيجية دفاعية متعددة الأوجه، تبدأ بتشديد الإجراءات الأمنية حول البنى التحتية الحيوية، وتصل إلى الرقابة الصارمة والشفافية التامة في التعامل مع تجارة الخردة والمستودعات، وفرض نظام تتبع إلزامي لكافة المعادن المباعة، خصوصاً النحاس. كما يجب ألا نغفل الجانب الاجتماعي؛ ففي كثير من الأحيان، يكون الانخراط في مثل هذه الأنشطة الإجرامية مدفوعاً باليأس الاقتصادي، مما يستدعي أيضاً معالجات تنموية واجتماعية للحد من الفقر الذي يغذي هذه السوق السوداء. إن حماية الأسلاك النحاسية هي في جوهرها حماية لمستقبلنا المتصل والآمن، فكل متر يتم انتزاعه من الأرض أو من فوق الأعمدة يمثل خطوة إلى الوراء في مسيرة التنمية. إن هذه العملية الأمنية الناجحة في سطات ليست نهاية القصة، بل هي جرس إنذار يدعونا جميعاً – كسلطات، ومؤسسات، ومجتمع – إلى التكاتف لحماية «الذهب الأحمر» من براثن الشبكات التي تسعى لبيعه بثمن بخس في الأسواق الدولية، على حساب استقرارنا الوطني.