وهم التدخل: لماذا تركّز واشنطن على «حماية المسيحيين» في نيجيريا وتتجاهل جوهر الأزمة؟Washington-Intervention-Illusion-US-Focus-Protecting-Christians-Nigeria-Ignoring-Core-Crisis

Washington-Intervention-Illusion-US-Focus-Protecting-Christians-Nigeria-Ignoring-Core-Crisis


وصول وفد أميركي رفيع المستوى إلى نيجيريا، لأول مرة منذ سنوات، هو حدث بحد ذاته يستحق التوقف عنده. لكن ما يثير الدهشة ليس مجرد الزيارة، بل الأجندة المعلنة التي تحملها هذه البعثة الدبلوماسية. فبعد فترة من التباعد الدبلوماسي التي ميزت إدارة ترامب، والتي تخللتها عمليات عسكرية أحادية الجانب، تعود واشنطن إلى العاصمة أبوجا بتركيز صارم ومحدد: «حماية المجتمعات المسيحية». هذا الخبر، الذي قد يبدو للوهلة الأولى كموقف إنساني أو ديني، يخفي في طياته تعقيدات جيوسياسية خطيرة، وقد يمثل قراءة سطحية ومضللة لأزمة نيجيريا الأمنية متعددة الأوجه. إن نيجيريا، وهي أكبر اقتصاد وأكثر دولة سكاناً في إفريقيا، تواجه تحديات أمنية هائلة لا يمكن اختزالها في صراع ديني. فمن تمرد جماعة بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا (ISWAP) في الشمال الشرقي، إلى عمليات الخطف المنظمة (التي تستهدف المسلمين والمسيحيين على حد سواء) في الشمال الغربي، مروراً بالنزاعات العرقية والرعوية الدامية في منطقة الحزام الأوسط، فإن خريطة المخاطر الأمنية في نيجيريا هي لوحة فسيفسائية معقدة. إن التركيز الأميركي الحصري على «حماية المسيحيين» يثير تساؤلات حول طبيعة هذا التدخل: هل هو استجابة حقيقية لمعضلة إنسانية، أم أنه مجرد أداة سياسية تستخدم في لعبة القوى الكبرى، قد تؤدي إلى نتائج عكسية على أرض الواقع؟

إن الخطاب الأميركي الرسمي حول «حماية المجتمعات المسيحية» في نيجيريا يواجه معضلة أساسية: تبسيط الصراع. فبينما لا يمكن إنكار أن المسيحيين في نيجيريا يعانون من اضطهاد وعنف في بعض المناطق، إلا أن هذا العنف ليس حصرياً على فئة دون غيرها. ففي مناطق الشمال الغربي، حيث تنتشر جماعات «قطاع الطرق» (bandits)، يقع المسلمون ضحايا لعمليات الخطف والقتل بشكل يومي، دون أن يحظوا بنفس الاهتمام الإعلامي أو الدبلوماسي. أما في منطقة الحزام الأوسط، فإن الصراع بين الرعاة والمزارعين، الذي يُوصف غالباً بأنه نزاع ديني بين المسلمين (الرعاة) والمسيحيين (المزارعين)، هو في جوهره صراع على الموارد والمناخ. فالنمو السكاني، وتدهور الأراضي الزراعية، والتغيرات المناخية التي تقلص مساحات الرعي، كلها عوامل تضغط على المجتمعات المحلية وتزيد من حدة التنافس على المياه والأرض. إن تقديم هذا النزاع المعقد في قالب ديني صرف يخدم أجندات معينة، لكنه يغفل الأسباب الجذرية للأزمة ويجعل الحلول المستدامة مستحيلة. إن نيجيريا هي دولة تواجه فشلاً هيكلياً في حماية مواطنيها ككل، والتمييز في المعالجة بين الضحايا على أساس الانتماء الديني لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية.

من الناحية الجيوسياسية، يمكن قراءة التركيز الأميركي على هذا الملف ضمن سياقين أساسيين: الأول هو السياسة الداخلية الأميركية، والثاني هو التنافس الدولي على النفوذ في إفريقيا. في الداخل الأميركي، تُعتبر «حماية المسيحيين المضطهدين» قضية مركزية للعديد من التيارات السياسية والدينية، لا سيما اليمين الإنجيلي. إن تبني هذه الأجندة يوفر قاعدة دعم قوية للحكومة الحالية، ويسمح بتوظيف الدبلوماسية الخارجية لخدمة مصالح داخلية. أما على الساحة الدولية، فإن واشنطن تسعى لاستعادة نفوذها في إفريقيا في مواجهة التنامي الصيني والروسي. فبينما تقدم الصين نموذجاً تنموياً يركز على البنية التحتية والاستثمار دون شروط سياسية، تقدم واشنطن نفسها كحامية للقيم والحقوق الإنسانية (المحددة بطريقة انتقائية). إن اختيار «حماية المسيحيين» قد يكون بمثابة نقطة دخول ناعمة (Soft Power) لتعزيز الوجود الأميركي وتبرير التدخلات المستقبلية، سواء كانت عسكرية أو تنموية، دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة مع القوى المنافسة. إنها أداة مزدوجة، تخدم الغرضين الداخلي والخارجي، وتغفل المصلحة الحقيقية للشعب النيجيري.

لا يمكن لزيارة دبلوماسية كهذه أن تمر دون تأثيرات سلبية محتملة على المشهد المحلي. فمجرد إظهار الدعم الأميركي لفئة دينية دون أخرى، في بلد شديد الحساسية للانقسامات الطائفية، يمكن أن يُفسر على أنه انحياز سياسي. هذا الانحياز قد يؤدي إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المحلية، ويجعل من الصعب على الحكومة النيجيرية (التي تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين الشمال والجنوب) أن تتعامل بفاعلية مع الأزمات. كما أن التركيز على الجانب الديني قد يقلل من أهمية المشكلات الأخرى التي تواجهها نيجيريا، مثل الفساد المستشري، وضعف المؤسسات الأمنية، والفقر المدقع. إن هذه العوامل الهيكلية هي الوقود الحقيقي لجميع أشكال العنف في نيجيريا، وليس الدين في حد ذاته. فإذا كانت واشنطن جادة في مساعدة نيجيريا، فيجب عليها أن تتبنى مقاربة شاملة تعالج جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، بدلاً من التمسك بالحلول السطحية التي ترضي أجندات خارجية.

في الختام، فإن عودة الوفد الأميركي إلى نيجيريا، بتركيزه الحصري على «حماية المسيحيين»، هي لحظة تكشف عن تناقضات الدبلوماسية الغربية في القارة الإفريقية. فبدلاً من تقديم حلول مستدامة تعالج أسباب العنف والنزاعات، تستخدم واشنطن قضية إنسانية معقدة كغطاء لأجندات جيوسياسية وسياسية داخلية. إن نيجيريا بحاجة ماسة إلى دعم دولي يركز على بناء القدرات الأمنية، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، والاستثمار في التنمية الشاملة التي تخدم جميع مواطنيها، بغض النظر عن انتمائهم الديني. إن حصر المشكلة في قالب ديني ضيق، مع تجاهل معاناة باقي الطوائف، ليس مجرد قصر نظر، بل هو خطر حقيقي يهدد بتعميق الأزمة بدلاً من حلها. إن نيجيريا تستحق معاملة دبلوماسية أكثر نضجاً وواقعية، تتعامل معها كشريك استراتيجي يواجه تحديات معقدة، وليس كساحة للصراع الديني أو لخدمة أجندات سياسية عابرة للمحيطات.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url