حبل العمل أم خيط القدر؟ مأساة العامل الشاب وصيحة السلامة المهنية في برشيدWorkRopeOrThreadOfFate-TragedyOfYoungWorkerAndCryForOccupationalSafetyInBerrechid

WorkRopeOrThreadOfFate-TragedyOfYoungWorkerAndCryForOccupationalSafetyInBerrechid


في خضم السعي المحموم نحو لقمة العيش، تنطوي فصول مأساوية قد تنهي مسيرة حياة قبل أن تبدأ. الخبر الذي هزّ إقليم برشيد مؤخراً، والمتعلق بوفاة شاب في مقتبل العمر، لم يكن مجرد حادث عابر؛ بل هو جرس إنذار يصم الآذان حول هشاشة ظروف العمل وغياب الأمان في العديد من المواقع المهنية بالمغرب. الشاب، الذي لم يتجاوز ربيعه التاسع عشر، كان يكدح في منطقة الساحل أولاد حريز، قاطعاً مسافات شاسعة من مسقط رأسه في زاكورة، باحثاً عن فرصة تلوح في الأفق الاقتصادي للمدن الكبرى. لكن القدر، المقترن بإهمال واضح، كان له رأي آخر. صعقة كهربائية خاطفة، لم تستغرق سوى لحظات، أوقفت نبض هذا القلب الفتي، محولة طموح عامل مهاجر إلى ملف قضائي يتطلب تشريحاً طبياً. هذه الفاجعة تدفعنا للتساؤل بعمق: هل أصبح ثمن توفير قوت اليوم هو المخاطرة بالحياة ذاتها؟ إن أمر النيابة العامة بإجراء تشريح للجثة ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو اعتراف ضمني بضرورة البحث عن المسؤولية الجنائية وراء هذا المصاب الجلل، لضمان ألا يمر موت هذا الشاب دون مساءلة جادة لمن تهاونوا في توفير أبسط شروط السلامة لمن يعملون تحت إمرتهم. الموت هنا ليس قدراً محضاً، بل هو نتيجة متوقعة لسلسلة من الإهمال المتراكم في بيئات عمل غير خاضعة للرقابة الصارمة، وهو ما يستدعي وقفة تحليلية مطولة لاكتشاف الجذور الحقيقية لهذه الكارثة الإنسانية.

تُسلط هذه المأساة الضوء على واقع مؤلم يواجهه آلاف الشباب المغربي: الهجرة الداخلية القسرية من المناطق الأقل نمواً إلى المحاور الاقتصادية، والقبول بظروف عمل غير آمنة مقابل أجر زهيد. الشاب المتوفى، القادم من زاكورة إلى برشيد، يمثل نموذجاً صارخاً للباحثين عن الرزق الذين يضطرون للعمل في القطاع غير المهيكل أو في وظائف مؤقتة تفتقر إلى أي حماية اجتماعية أو مهنية. في مواقع العمل العسيرة، خاصة تلك المتعلقة بالإنشاءات أو الخدمات اللوجستية في المناطق الهامشية، غالباً ما تكون معايير السلامة مجرد حبر على ورق. تُعتبر التوصيلات الكهربائية المكشوفة، وغياب التأريض السليم، وعدم ارتداء معدات الحماية الشخصية، من المشاهد المألوفة التي يغض الطرف عنها كل من المشغل والعامل تحت ضغط الإنجاز السريع بأقل التكاليف. إن ثقافة 'التضحية بالسلامة' لصالح 'السرعة الاقتصادية' هي التي تدفع بأرواح الشباب إلى الهاوية. وعندما يتعلق الأمر بعمال يوميين أو مؤقتين، فإن سلطة المشغل تكون مطلقة، ولا يجرؤ العامل على الاعتراض على المخاطر خشية فقدان مصدر دخله الوحيد. هذا الاستغلال الواضح لحاجة الشباب يضع المسؤولية الأخلاقية والقانونية على عاتق الجهات المشرفة على المشروع وعلى أصحاب الأعمال الذين يفضلون توفير بضعة دراهم على حماية حياة إنسان.

أهمية تدخل النيابة العامة وتفويضها بالتشريح تتجاوز مجرد تحديد سبب الوفاة (الذي يبدو واضحاً في هذه الحالة). الهدف الأسمى هو فتح تحقيق معمق يحدد خيوط التقصير والمسؤولية الجنائية. القانون المغربي، كغيره من التشريعات، يفرض معايير صارمة للسلامة المهنية على أرباب العمل. يجب على التحقيق الآن أن يركز على منشأ العطل الكهربائي: هل كان سوء تركيب؟ هل كانت هناك صيانة دورية؟ هل تم تزويد العامل بأي تدريب أو تحذير بشأن المخاطر الكهربائية المحيطة به في موقع العمل بالعسيلات؟ إن نتائج التشريح ستكون الدليل العلمي الذي يمكن أن يُبنى عليه اتهام محتمل بالإهمال أو القتل غير العمد. في كثير من الأحيان، تُصنف مثل هذه الحوادث على أنها 'قضاء وقدر'، ولكن إذا أثبت التحقيق أن الوفاة كانت نتيجة مباشرة لتجاهل متعمد أو تقصير جسيم في تطبيق البروتوكولات الأمنية الواجبة، فإن ذلك يحوِّل الحادث من مصيبة فردية إلى جريمة ضد سلامة العمال. إن هذه الإجراءات القضائية، إذا تمت بجدية وشفافية، تبعث رسالة قوية للمجتمع ولأصحاب الأعمال مفادها أن حياة الإنسان لها قيمة لا يمكن التفاوض بشأنها، وأن التهاون في تطبيق القانون سيؤدي إلى محاسبة رادعة.

من وجهة نظري ككاتب مهتم بالشأن الاجتماعي والاقتصادي، لا يمكن النظر إلى وفاة شاب في مقتبل العمر بسبب صعقة كهربائية في موقع عمل إلا كفشل مؤسساتي واجتماعي ذريع. إن هذه الوفاة ليست مجرد نقطة في إحصائيات الحوادث؛ إنها مرآة تعكس أزمة أخلاقية في تعاملنا مع فئة العمال الأكثر ضعفاً وهشاشة. لماذا نقبل بأن يعمل شبابنا في ظروف تعرضهم لخطر الموت يومياً؟ السبب يكمن في ضعف آليات الرقابة الحكومية على مواقع العمل، خاصة في القطاع الخاص غير المنظم، والقبول المجتمعي الصامت بـ 'منطق الحال' الذي يبرر الإهمال بحجة الفقر أو ضغط السوق. يجب أن ندرك أن السلامة المهنية ليست ترفاً أو خياراً؛ بل هي حق أساسي من حقوق الإنسان. إن بناء الطرق والمنشآت لا يجب أن يتم على حساب دم الشباب. عندما يتوفى عامل عمره 19 عاماً، فإننا لا نفقد فرداً فقط، بل نفقد مستقبلاً كاملاً لعائلة كانت تعتمد عليه، ونخسر ثقتنا في قدرة الدولة على حماية مواطنيها حتى وهم يسعون للرزق الحلال. يجب أن نتوقف عن معاملة 'العامل' كأداة يتم استبدالها عند التلف، وأن نبدأ في معاملته كشريك أساسي في التنمية، يستحق الحماية والاحترام الكاملين.

في الختام، إن مأساة برشيد يجب أن تشكل نقطة تحول حقيقية في التعامل مع ملف السلامة والصحة المهنية في المغرب. لا يكفي البكاء على ضحايا الإهمال، بل يجب أن ننتقل فوراً إلى مرحلة تفعيل الرقابة الصارمة وتطبيق القانون بكل حزم. على الوزارات المعنية، مفتشية الشغل، والجهات القضائية، التعاون لضمان أن يكون هذا التحقيق نموذجاً يحتذى به في تحديد المسؤوليات ومعاقبة المقصرين. يجب أن تترافق هذه الإجراءات القانونية بحملات توعية مكثفة تستهدف أصحاب الأعمال والعمال على حد سواء، لرفع مستوى الوعي بمخاطر العمل وكيفية تجنبها. إن الشاب الذي قطع المسافة من زاكورة إلى برشيد لم يكن يبحث عن الموت، بل كان يبحث عن الحياة الكريمة. ومسؤوليتنا الجماعية تكمن في ضمان أن لا يتحول سعيه المشروع إلى نهاية مأساوية بسبب تقصيرنا أو تجاهلنا. ليرقد الشاب بسلام، وليكن صوته، الذي خنقه التيار الكهربائي، صرخة تدفع نحو بيئات عمل أكثر أماناً وعدالة، فثمن حياة عامل شاب لا يقدر بمال، ويجب ألا تدفع الأجيال القادمة أرواحها ثمناً لتقصيرنا.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url