ما وراء الأجندة: اجتماع جامعة الكرة والرهان المزدوج على القمة المحلية والقاريةBeyond-the-Agenda-Football-Meeting-Dual-Bet-Local-Continental-Summit-Quest
اجتماع المكتب المديري للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بقيادة فوزي لقجع، ليس مجرد حدث إداري روتيني يُدرج ضمن جدول أعمال المؤسسة، بل هو انعكاس دقيق لاستراتيجية متكاملة تهدف إلى ترسيخ مكانة المغرب كقوة كروية مهيمنة على الصعيدين القاري والدولي. إن الأجندة المعلنة، التي تتضمن مناقشة المنافسات الدولية وتعديلات قوانين العصبة الاحترافية، تُخفي وراءها محاولة جادة لربط النجاحات الآنية برؤية مستقبلية مستدامة. يأتي هذا الاجتماع في لحظة حاسمة، حيث تتجه الأنظار نحو استضافة كأس أمم إفريقيا 2025، وهو تحدٍ لا يقتصر على تنظيم البطولة فحسب، بل يمتد ليشمل أداء المنتخب الوطني على أرضه وبين جماهيره، بعد أن وضع معايير جديدة للطموح الكروي ببلوغ نصف نهائي كأس العالم. هذا التوازن بين التطلع إلى القمة القارية وتحصين الأساس المحلي هو جوهر التحول الذي تسعى الجامعة لإرسائه. فإذا كانت المنافسات الدولية تمثل الواجهة التي يتطلع إليها الجمهور، فإن تعديلات القوانين المحلية تمثل العمود الفقري الذي يضمن استدامة هذه الإنجازات.
التركيز على «تقييم كأس إفريقيا» في سياق المنافسات الدولية، كما ورد في الخبر، يشير بوضوح إلى أن الجامعة تولي أهمية قصوى للدروس المستفادة من التجارب الماضية، وتحديداً المشاركة الأخيرة في كأس الأمم الإفريقية 2023. الخروج المبكر نسبياً من البطولة، على الرغم من الطفرة التي شهدها المنتخب في المونديال، شكل صدمة دفعت إلى إعادة التقييم. اجتماع الجامعة يبدو أنه يهدف إلى تحليل هذه الإخفاقات بهدف ضمان عدم تكرارها عند استضافة الحدث القاري في 2025. إن استضافة كأس الأمم الإفريقية القادمة تمثل فرصة ذهبية للمغرب لتأكيد قدرته التنظيمية وإظهار قوته الكروية. الضغط على المنتخب الوطني سيكون هائلاً لتحقيق اللقب على أرضه، الأمر الذي يتطلب استراتيجية فنية ولوجستية محكمة، بدءًا من تجهيز الملاعب والبنية التحتية، مروراً بتوفير كافة الظروف لإعداد المنتخب. هذه المناقشة تعكس تحولاً في العقلية الإدارية؛ من الاكتفاء بالاستعداد للبطولة إلى التخطيط التفصيلي لكيفية الفوز بها، مع الأخذ في الاعتبار كافة العوامل المؤثرة، سواء كانت فنية أو نفسية أو تنظيمية.
الشطر الثاني من المناقشات، المتعلق بتعديلات القوانين الخاصة بالعصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية، يمثل الجانب الأكثر أهمية واستدامة في رؤية الجامعة. فالمعضلة الأزلية في كرة القدم المغربية كانت دائماً تكمن في الفجوة بين مستوى المنتخب الوطني وبين جودة الدوري المحلي (البطولة). بينما يضم المنتخب نخبة من اللاعبين المحترفين في أوروبا، لا يزال الدوري يعاني من مشاكل هيكلية تتعلق بالإدارة المالية، وتكوين الفئات السنية، والاحترافية الحقيقية للأندية. مناقشة تعديلات القوانين تشير إلى عزم الجامعة على سد هذه الفجوة. من المرجح أن تكون هذه التعديلات موجهة نحو تعزيز الشفافية المالية للأندية، وتشديد الرقابة على الموارد البشرية، وتحسين البنية التحتية للأكاديميات. الهدف النهائي هو خلق دوري قوي قادر على إنتاج لاعبين جاهزين فنياً وبدنياً للاحتراف الخارجي أو لتمثيل المنتخب الوطني، وبالتالي ضمان استمرارية تدفق المواهب المحلية وعدم الاعتماد الكلي على اللاعبين المولودين في المهجر. هذا التحول نحو الاحتراف الحقيقي هو مفتاح النجاح المستدام.
يمكن تحليل القيادة التي تتبنى هذه الاستراتيجية من خلال شخصية فوزي لقجع. فمنذ توليه رئاسة الجامعة، اتبع لقجع نهجاً إدارياً يتميز بالبراغماتية والتخطيط طويل المدى. لم يقتصر الأمر على ضخ الاستثمارات في البنية التحتية (ملاعب، أكاديميات)، بل امتد إلى بناء شبكة من العلاقات الدولية القوية داخل الاتحاد الأفريقي (CAF) والاتحاد الدولي (FIFA)، مما منح المغرب نفوذاً كبيراً على الساحة العالمية. هذا النفوذ لم يكن غاية بحد ذاته، بل وسيلة لدعم الأهداف الوطنية، بما في ذلك استضافة الأحداث الكبرى. اجتماع المكتب المديري، بهذه الأجندة المزدوجة، هو ترجمة لهذا النهج: فالتخطيط لـ«كأس إفريقيا 2025» يمثل قمة طموح البنية التحتية والتنظيمية التي تم بناؤها، بينما تعديلات القوانين المحلية تمثل الاستثمار في رأس المال البشري الكروي الذي سيعزز هذه البنية. هذا النهج المتكامل هو ما يميز الإدارة الحالية ويجعلها مختلفة عن النماذج الإدارية السابقة التي كانت تعتمد على الحلول الآنية بدلاً من الاستراتيجية الشاملة.
في الختام، يُظهر اجتماع المكتب المديري للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أن كرة القدم في المغرب تجاوزت مرحلة الطموح العفوي إلى مرحلة التخطيط الاستراتيجي. إن الجمع بين تقييم الأداء في المنافسات الدولية وتعديل قوانين العصبة الاحترافية يشكل نقطة تحول حاسمة. فالمغرب يسعى جاهداً لتحويل نجاحه في كأس العالم إلى إرث مستدام، وليس مجرد ذكرى عابرة. الرهان اليوم ليس فقط على تحقيق لقب قاري في 2025، بل على بناء منظومة كروية قوية، قادرة على المنافسة باستمرار على أعلى المستويات. هذا يتطلب أن تكون الأندية المحلية قوية مالياً وفنياً، وأن تكون قادرة على تطوير المواهب الشابة، وأن يكون المنتخب الوطني قادراً على المنافسة بانتظام في البطولات الكبرى. التحدي يكمن في مدى قدرة الجامعة على تنفيذ هذه التعديلات وتحويلها إلى واقع ملموس، لضمان أن يكون الإرث الذي تتركه استضافة كأس إفريقيا 2025 أكبر من مجرد ملاعب حديثة، بل منظومة كروية متكاملة تليق باسم المغرب كأحد قادة الرياضة الأفريقية.