صدى الكهوف يعود: هل يُشعل 'داعش' جولة جديدة من الفوضى تحت غطاء 'الشرع' المزعوم؟The-Echo-Returns-Will-ISIS-Ignite-New-Chaos-Under-False-Sharia-Claim



بعد سبات صوتي دام قرابة العامين، عاد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ليُطلق صفارة جديدة من غرفة عملياته المظلمة، مُصدراً بياناً صوتياً لافتاً على الإنترنت. هذا العودة ليست مجرد ضجة إعلامية عابرة؛ بل هي إعلان استراتيجية متجددة تستهدف بشكل مباشر التكوينات السياسية المستجدة في سوريا، وتحديداً ما وصفه التنظيم بـ"حكومة الشرع". البيان، الذي أدلى به المتحدث باسم التنظيم، يمثل خروجاً من الظل، ويسلط الضوء على فشل محاولات التهميش التي مُورست ضد التنظيم، مُذكراً العالم بأن الأيديولوجية المتطرفة لا تموت، بل قد تدخل مرحلة الكمون قبل الانفجار مجدداً. إن استهداف التنظيم للحكومة السورية الجديدة، واصفاً إياها بالعلمانية والمرتدة، يكشف عن ثوابت عقائدية لا تتزحزح لديه، ولا يرى أي شرعية لأي سلطة لا تخضع لتفسيره الحرفي والشاذ للشريعة، حتى لو كانت هذه السلطة نابعة من رحم التطورات السياسية الأخيرة في المنطقة.

التحليل المتعمق لهذا الخطاب يكشف عن محاولة يائسة لإعادة التموضع في ساحة صراع شديدة التعقيد. فـ"داعش"، بعد أن خسر معظم سيطرته الجغرافية، يعتمد الآن بشكل أساسي على السردية الأيديولوجية لإعادة تجنيد الخلايا النائمة وتحفيز الموالين. استخدام مصطلحات مثل "حكومة العلمانية" و"المرتدون" ليس جديداً في قاموس التنظيم، ولكنه يكتسب وزناً خطيراً في سياق التحولات السورية. إنها محاولة لتأطير الصراع السياسي كـ"حرب دينية وجودية"، الأمر الذي يهدف إلى إقصاء أي محاولات للتسوية أو الاعتراف بالتعددية السياسية. وجهة نظري هنا تشير إلى أن هذا التحريض ليس موجهاً فقط للعناصر الداخلية، بل هو رسالة خارجية مفادها أن التنظيم ما زال يمتلك القدرة على التأثير وإحداث اضطرابات، مستغلاً حالة التصدع وعدم الاستقرار التي لا تزال تخيّم على المشهد السوري والإقليمي.

ما يثير القلق البالغ هو التوقيت الذي اختاره أبو حذيفة الأنصاري لإطلاق هذه الدعوة. في ظل محاولات دولية وإقليمية لترسيخ استقرار نسبي في سوريا، ولو كان هشاً، يأتي هذا النداء ليصب الزيت على نار الفوضى. إنه استدعاء لقواعد الاشتباك القديمة، وتحدٍ مباشر لأي جهة حاولت إعلان هزيمة التنظيم بشكل قاطع. علاوة على ذلك، فإن استهداف ما يسمونه "أوجب بعد الإيمان" (أي قتالهم) يشير إلى نية واضحة لرفع مستوى العمليات، والانتقال من حرب البقاء إلى حرب استعادة النفوذ. هذا التكتيك يعكس فهماً إجرامياً بأن العنف هو اللغة الوحيدة التي يفهمها التنظيم، وأن التطور السياسي السوري، أياً كان شكله، يُعتبر هدفاً مشروعاً يجب تدميره قبل أن يترسخ.

من منظور أوسع، يُظهر هذا التطور ضعف الأجهزة الاستخباراتية والأمنية في منع مثل هذه الرسائل من الانتشار، حتى مع تراجع التنظيم مادياً. فالفضاء الرقمي لا يزال هو الملعب المفتوح للتطرف، حيث يمكن للقيادات البعيدة أن تواصل بث سمومها وتوجيه التعليمات دون عوائق كبيرة. إنها معضلة العصر الحديث: كيف يمكن التعامل مع كيان أيديولوجي لا يقدم مشروعاً للحكم أو بناء الدولة، بل يقدم دعوة مستمرة للتدمير تحت ستار مفهوم مغلوط ومحرف للشرع؟ الإجابة تكمن في ضرورة تجفيف المنابع الفكرية التي تستجيب لهذه الدعوات، وليس فقط ملاحقة المقاتلين الفعليين. فالمعركة الحقيقية هي معركة التصورات والأيديولوجيات التي تبرر هذا العنف الأعمى.

في الختام، عودة "داعش" للحديث بصوته الرسمي، وبلهجة التحدي القصوى ضد أي شكل من أشكال الحكم البديل في الشام، هي مؤشر خطير لا يمكن تجاهله. هذه ليست مجرد محاولة لإعادة التجميع، بل هي إعلان حرب أيديولوجية جديدة تستغل ثغرات الاستقرار الهش في المنطقة. إن دعوة الأنصاري لقتال "حكومة الشرع" (كما يراها التنظيم) هي دعوة لتعميق الأزمة وإعادة البلاد إلى دوامة العنف المفرط. سيبقى التحدي الأكبر أمام القوى الفاعلة هو كيفية التعامل مع هذا الصوت المتشدد الذي يرفض التعايش أو الاعتراف بأي واقع سياسي مغاير لإرادته الدموية، مما يتطلب يقظة أمنية ودبلوماسية متواصلة لضمان عدم تحول هذا الصدى الصوتي إلى واقع عسكري جديد مدمر.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url