القصر الكبير في مواجهة الفيضان والفوائد: ضرورة الرحمة المصرفية في زمن المحنةThe-Grand-Palace-Facing-The-Flood-And-Interest-Rates-The-Necessity-Of-Banking-Mercy-In-Times-Of-Hardship
عندما تضرب الطبيعة بقوتها الجارفة، تتوقف الحياة الروتينية وتصبح الأولويات متعلقة بالنجاة والسلامة. هذا هو المشهد المأساوي الذي عاشته ولا تزال تعيشه مناطق واسعة في القصر الكبير والغرب، حيث تحولت البيوت والأسواق ومصادر الرزق إلى مناطق منكوبة غارقة في وحل الفيضانات العاتية. لم تكن هذه الكارثة مجرد خسارة مادية للممتلكات؛ بل كانت قطعًا جذريًا لحبال الحياة اليومية، أجبرت مئات الأسر على الإجلاء الفوري، وترك كل ما يملكون خلف ظهورهم بحثًا عن مأوى مؤقت في مدن أكثر أمانًا. في خضم هذه الفوضى، وبينما تحاول المجتمعات المدنية والسلطات المحلية تقديم الدعم الإغاثي الأولي، يبرز تحدٍ صامت لكنه مدمر: عبء الالتزامات المالية التي لا تعرف العواصف الطبيعية. فبالنسبة للمواطن المتضرر، الذي فقد مصدر دخله وأصبح مُهجّرًا، لا يزال عداد الديون المصرفية والقروض قيد التشغيل، مهدداً بتحويل محنة الفيضان إلى كارثة اقتصادية دائمة تُثقل كاهل الأسر المثقلة أصلاً بالخسائر غير القابلة للتعويض. إن صرخة الاستغاثة التي ارتفعت من قلب هذه المناطق المنكوبة لم تكن فقط لطلب مواد إغاثية، بل كانت نداءً لتجميد مؤقت للوقت المالي، لوقف عجلة التحصيل المصرفي التي تدور بلا هوادة.
هذا النداء الذي أطلقته الفعاليات المدنية المعنية بإنصاف متضرري الفيضانات يحمل في طياته مطلباً بالغ الأهمية من الناحية الإنسانية والاقتصادية على حد سواء: ضرورة أن تُبدي المؤسسات البنكية المغربية مرونة غير مسبوقة وتؤجل مواعيد استحقاق الديون والقروض. ويستند هذا المطلب على أساس مبدأ القوة القاهرة؛ فالمتضررون لم يتوقفوا عن سداد التزاماتهم بإرادتهم، بل أجبروا على ذلك نتيجة لحدث كارثي خارج عن نطاق سيطرتهم أدى إلى تدمير أو تجميد مصادر دخلهم. فكيف يمكن لموظف بسيط أو تاجر صغير فقد محله أو آلياته أن يستمر في دفع الأقساط الشهرية وهو الآن يعتمد على المساعدات للبقاء؟ إن تجاهل هذه الحقيقة يعني الدفع بالمئات نحو حلقة مفرغة من التعثر، حيث يؤدي عدم القدرة على السداد إلى تسجيلهم كمتعثرين، مما يدمر سجلهم الائتماني ويمنعهم من الحصول على أي تمويل مستقبلي لإعادة بناء حياتهم وأعمالهم. يجب أن تدرك البنوك أن استجابتها السريعة لهذا المطلب ليست مجرد بادرة إنسانية، بل هي خطوة استثمارية في الاستقرار الاجتماعي، تمنح المتضررين فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق، بدلاً من إغراقهم تحت ثقل الديون بينما يحاولون الوقوف مجدداً.
في مواجهة هذه الأزمة، يبرز التوتر التقليدي بين المنطق المالي الصارم وبين المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات الكبرى. فمن وجهة نظر التجمع المهني للبنوك، قد يُنظر إلى تأجيل القروض أو إلغاء الفوائد المتراكمة كعبء مباشر على السيولة والميزانيات العمومية. لكن التحليل المتعمق يظهر أن التشدد في التحصيل الآن هو القرار الأكثر تكلفة على المدى الطويل. إن الاندفاع في إجراءات المتابعة ضد المتضررين لن يؤدي فقط إلى زيادة حالات العجز عن السداد (Defaults)، بل سيخلق موجة من الإفلاس الشخصي والمهني، مما يُبطئ بشكل كبير عملية التعافي الاقتصادي للمنطقة بأكملها. إذا دُمرت القوة الشرائية والقدرة الإنتاجية للسكان المحليين، ستتضرر بالتالي قاعدة العملاء والودائع المستقبلية للبنوك ذاتها. وهنا يكمن دور الدولة والبنك المركزي (بنك المغرب) في التدخل لتقديم ضمانات أو آليات تمويلية مسهلة للبنوك التي تستجيب لنداءات الإعفاء المؤقت. لا يمكن للمؤسسات المالية أن تعمل بمعزل عن السياق الوطني؛ فكما تستفيد من الاستقرار الاقتصادي الذي توفره الدولة، يجب عليها أن تشارك في تحمل تكاليف الأزمات التي تهدد هذا الاستقرار. إن المرونة المالية في زمن الكوارث هي الضامن لبقاء الثقة في النظام المصرفي كشريك تنموي وليس كمجرد مؤسسة ربحية.
لتجاوز هذا المأزق، نحتاج إلى آليات واضحة وسريعة التنفيذ تتجاوز مجرد 'إمكانية' التفاوض الفردي بين العميل والبنك، وهي إمكانية غالباً ما تكون مرهقة وغير مجدية في ظل أزمة جماعية. يجب على بنك المغرب أن يلعب دوراً قيادياً في توحيد استجابة القطاع المصرفي. يمكن تطبيق نظام تأجيل شامل للسداد (Moratorium) لمدة لا تقل عن ستة أشهر، يتبعه جدول إعادة جدولة ميسر للديون يشتمل على تخفيض نسبة الفائدة أو تمديد فترة السداد دون فرض غرامات تأخير. ومن الضروري أن يتم تعليق الفوائد المستحقة خلال فترة التأجيل، حتى لا يتحول الإعفاء الظاهري إلى عبء مضاعف بعد انتهاء الفترة. وقد شهدنا نماذج عالمية ناجحة في أعقاب كوارث طبيعية كبرى، حيث تدخلت الحكومات المركزية لإنشاء صناديق تعويض أو ضمان خاصة لتغطية المخاطر البنكية المرتبطة بالإعفاء. على سبيل المثال، يمكن للحكومة المغربية تقديم حزم ضمانات للبنوك التي تقرر تأجيل الأقساط لمدة عام كامل، مما يخفف من مخاوفها المتعلقة بالسيولة ويشجعها على تبني موقف أكثر إيجابية تجاه المتضررين. هذه الإجراءات ليست إهدارًا للمال العام، بل هي استثمار في التعافي السريع لمنطقة حيوية من البلاد.
في الختام، إن الأزمة التي تمر بها منطقة الغرب والقصر الكبير هي اختبار حقيقي لأخلاقيات المؤسسات المالية الوطنية ومدى التزامها بمبادئ التكافل الاجتماعي المنصوص عليها في الدستور. إن المعضلة ليست مالية بحتة، بل هي إنسانية ووطنية بامتياز. فالمواطنون الذين أضرتهم الفيضانات لا يطلبون إلغاء ديونهم بالكامل، بل يطلبون مهلة لاستعادة قدراتهم على الكسب والإنتاج، وبالتالي استعادة قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم. إن رد الفعل البنكي في هذه المرحلة سيعكس صورة النظام المالي المغربي؛ فإما أن يُنظر إليه كشريك استراتيجي يدعم الصمود الوطني في أوقات الشدة، أو ككيان صارم لا يرى في المواطن المنكوب إلا رقماً في ميزان الأرباح والخسائر. يتطلب الأمر الآن قراراً جريئاً على مستوى التجمع المهني للبنوك وبدعم من السلطة النقدية، قراراً يضع مصلحة المواطن المتضرر فوق الربح القصير الأجل. إن فتح مظلة الرحمة المالية الآن هو أفضل استثمار يمكن للبنوك أن تقوم به لضمان ولاء عملائها والمساهمة الفعالة في صيانة النسيج الاقتصادي والاجتماعي الذي يُمكّنها من الاستمرار والازدهار.