مرسوم التقاعد يثير غضب النقابات: هل مستقبل المعاشات في المغرب على مفترق طرق؟Morocco-Pension-Reform-Sparks-Union-Rage-Is-The-Future-Of-Pensions-At-A-Crossroads?
شهدت الرباط مؤخراً اجتماعاً حاسماً للجنة التقنية المكلفة بالتقاعد، الذي خُصص لدراسة الوضع الراهن للنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد (RCAR). هذا اللقاء، الذي يعتبر جزءاً من سلسلة جهود أوسع لتقييم وإصلاح أنظمة التقاعد في المغرب، لم يكن مجرد عرض تقني للإطار القانوني، والحكامة، ومؤشرات الاستدامة، وهندسة تدبير الاستثمارات، بل أصبح نقطة محورية لاندلاع خلاف جديد. ففي أعقاب العرض الفني، عبرت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل عن رفضها القاطع لما وصفته بـ”الإصلاح البارامتري”، مستنكرة تمرير المرسوم رقم 2.20.935. هذا الموقف النقابي الصارم يعكس حالة من التوتر والاعتراض العميق تجاه المقاربة الحكومية لإصلاح أحد أهم ركائز الأمن الاجتماعي للمواطنين، ويضع مستقبل المعاشات على طاولة النقاش، ليس فقط من منظور فني بحت، بل أيضاً من زاوية العدالة الاجتماعية والمشاركة الديمقراطية.
إن مصطلح “الإصلاح البارامتري” يثير حفيظة النقابات لسبب وجيه؛ فهو في جوهره يشير عادة إلى تعديلات مباشرة على المتغيرات الرئيسية التي تحدد استدامة نظام التقاعد أو مدى سخائه. تشمل هذه التعديلات غالباً رفع سن التقاعد، زيادة نسبة الاشتراكات الشهرية، أو تخفيض قيمة المعاشات المستقبلية، وربما تعديل صيغ احتسابها. من وجهة نظر الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، فإن مثل هذه الإجراءات غالباً ما تُلقي بعبء الإصلاح على عاتق الطبقة الشغيلة، مما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للمتقاعدين وتقليص آمالهم في عيش كريم بعد سنوات طويلة من العمل. نظام RCAR، كواحد من الأنظمة الجماعية التي تخدم شريحة واسعة من الموظفين في القطاعين العام والخاص وشبه العام، يحمل أهمية كبرى لهذه الفئة. وبالتالي، فإن أي مساس بجوهره أو طريقة عمله، خصوصاً عبر مرسوم يرى النقابيون أنه تم تمريره دون توافق أو مشاورات كافية، يُعد تهديداً مباشراً لاستقرارهم المالي والاجتماعي، ويدفعهم لاتخاذ موقف متشدد دفاعاً عن مصالح أعضائهم.
تحديات أنظمة التقاعد ليست حكراً على المغرب، بل هي ظاهرة عالمية مدفوعة بعوامل ديموغرافية واقتصادية متشابكة. فزيادة متوسط العمر المتوقع، وتباطؤ معدلات المواليد، وتغيرات سوق العمل، كلها تضع ضغوطاً هائلة على صناديق التقاعد، مهددة استدامتها على المدى الطويل. من هذا المنطلق، غالباً ما تسعى الحكومات، ومنها الحكومة المغربية، إلى إجراء إصلاحات لضمان قدرة هذه الأنظمة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الأجيال القادمة. ومع ذلك، يكمن التحدي الحقيقي في الموازنة بين ضرورة الحفاظ على الاستقرار المالي للنظام وبين مبادئ العدالة الاجتماعية والحفاظ على حقوق المتقاعدين. فالإصلاحات التي تبدو ضرورية من منظور اقتصادي قد تكون قاسية على المستفيدين من منظور اجتماعي، وهذا هو جوهر الصراع الحالي. إن التركيز على المؤشرات التقنية البحتة دون الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الإنسانية والاجتماعية يمثل نقطة ضعف رئيسية في أي مقاربة إصلاحية قد تفتقر إلى القبول الشعبي والاجتماعي.
إن هذا الخلاف العلني بين النقابة والحكومة حول مرسوم إصلاح التقاعد يحمل في طياته دلالات عميقة على مستقبل الحوار الاجتماعي في المغرب. فإذا كانت النقابات ترى أن القرارات الجوهرية المتعلقة بمستقبل الملايين يتم تمريرها بمرسوم دون إشراك فعال أو توافق حقيقي، فإن ذلك قد يؤدي إلى تآكل الثقة بين الشركاء الاجتماعيين. هذه الديناميكية قد لا تقتصر آثارها على ملف التقاعد فحسب، بل يمكن أن تمتد لتؤثر على ملفات اجتماعية واقتصادية أخرى تتطلب توافقاً وطنياً. فالإصلاحات الكبرى، خاصة تلك التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، تتطلب مقاربة تشاركية شاملة تضمن تمثيل جميع الأطراف المعنية والاستماع إلى آرائهم ومخاوفهم. قد يدفع هذا الموقف النقابي إلى تصعيد الاحتجاجات، أو على الأقل، إلى تعزيز موقفها التفاوضي في أية جولات حوار مستقبلية. إن قدرة الحكومة على احتواء هذا الغضب وإعادة بناء جسور الثقة ستكون اختباراً حقيقياً لالتزامها بمبادئ الشراكة الاجتماعية والديمقراطية التشاركية.
في الختام، يمثل رفض الكونفدرالية الديمقراطية للشغل لمرسوم إصلاح التقاعد لحظة فارقة في المشهد الاجتماعي والسياسي المغربي. إنه ليس مجرد اعتراض على بند قانوني، بل هو صرخة دفاع عن مبدأ العدالة الاجتماعية وضرورة إشراك كافة الأطراف في صياغة مستقبل المواطنين. إن تحقيق التوازن بين استدامة أنظمة التقاعد وضمان حقوق المتقاعدين يتطلب أكثر من مجرد إصلاحات تقنية؛ إنه يتطلب رؤية اجتماعية شاملة، مبنية على الحوار الصريح والشفافية والتوافق. الطريق إلى إصلاح مستدام ومقبول اجتماعياً يمر حتماً عبر طاولة المفاوضات، حيث يتم الاستماع إلى هواجس النقابات والعمال بجدية، والبحث عن حلول إبداعية لا تلقي بالعبء كله على فئة واحدة. فمستقبل المعاشات في المغرب، وبالتالي مستقبل جزء كبير من نسيجه الاجتماعي، يعتمد على قدرة الأطراف المعنية على تجاوز الخلافات والعمل نحو توافق وطني يحمي كرامة المتقاعدين ويضمن استمرارية النظام للأجيال القادمة.