ما وراء السلاح: هل يُشعل انتصار الجيش النيجيري شرارة الأمل أم هو مجرد هدنة في صراع أزلي؟Nigerian-Army-Victory-Hope-or-Truce-Eternal-Conflict-Beyond-The-Weapon

Nigerian-Army-Victory-Hope-or-Truce-Eternal-Conflict-Beyond-The-Weapon


في صراع يستمر لعقود، غالبًا ما تبدو الأخبار الإيجابية وكأنها مجرد وميض عابر في عتمة مستمرة. لكن في شمال شرق نيجيريا، حيث تتشابك خيوط الإرهاب والفقر والجغرافيا القاسية، يحمل كل انتصار عسكري أهمية تتجاوز مجرد الإحصاءات الميدانية. هذا الأسبوع، ترددت أصداء عملية عسكرية نيجيرية ناجحة، استهدفت إحدى الفصائل التابعة لجماعة بوكو حرام، وكبّدتها خسائر فادحة. الخبر، في ظاهره، هو انتصار تكتيكي للقوات المسلحة. لكن في عمقه، يثير هذا الحدث تساؤلات أوسع حول طبيعة الحرب على الإرهاب في المنطقة، وإمكانية تحقيق سلام دائم، أو ما إذا كانت هذه مجرد حلقة جديدة في مسلسل لا نهاية له من العنف.

العملية الأخيرة، التي قيل إنها أدت إلى تدمير معسكرات وقتل أعداد كبيرة من المقاتلين، ليست مجرد حدث عابر. إنها تمثل ضربة قاصمة في صميم القدرات اللوجستية والمعنوية للجماعة الإرهابية. فبوكو حرام، مثل أي حركة تمرد، تعتمد على عدة ركائز أساسية: أولها السيطرة على الأراضي لتوفير ملاذ آمن وتجنيد المقاتلين، وثانيها الحفاظ على الزخم المعنوي لإقناع الأتباع بأنها قوة لا تُقهر. عندما ينجح الجيش في اختراق هذه الملاذات، وتكبيد المجموعة خسائر فادحة في الأفراد والمعدات، فإن الرسالة الموجهة إلى الجماعة وأتباعها تكون واضحة: “لم تعد آمنًا”. هذه الهزيمة التكتيكية تُعزز الثقة داخل القوات الحكومية والمجتمعات المحلية، وتُضعف إمكانيات التجنيد في المستقبل القريب. إنها لحظة حاسمة في حرب الاستنزاف التي تتطلب أكثر من مجرد إلحاق الخسائر؛ تتطلب تدمير القدرة على التجديد والتعافي.

لكن يجب أن نضع هذا النصر في سياقه الأوسع والأكثر تعقيدًا. فمنذ ظهور بوكو حرام، أثبتت الجماعة قدرة استثنائية على التكيف والتحول. عندما تُهزم في معقل ما، تعيد تجميع صفوفها في منطقة أخرى. عندما تُقطع عنها خطوط الإمداد التقليدية، تلجأ إلى تكتيكات حرب العصابات والاعتماد على الخلايا النائمة. هذه هي الطبيعة الجوهرية للتمرد غير المتماثل، حيث لا يمكن تحقيق النصر من خلال معركة واحدة أو عملية عسكرية واحدة. إن المعركة الحقيقية في نيجيريا ليست ضد مقاتلي بوكو حرام فقط، بل ضد الظروف التي تسمح لهم بالنمو والازدهار. وهي تشمل الفقر المدقع، والبطالة الهائلة، وغياب الخدمات الحكومية الأساسية في المناطق النائية. هذه الفجوات هي التربة الخصبة التي تُغذي التطرف وتجعل التجنيد مهمة سهلة بالنسبة للمتشددين، حيث يجد الشباب اليائس في الجماعة ملاذًا اقتصاديًا أو شعورًا بالانتماء، حتى لو كان ثمنه باهظًا.

من وجهة نظري، فإن هذا النصر الأخير يجب أن يُنظر إليه على أنه فرصة وليست نهاية. إنه يمنح الحكومة النيجيرية وقواتها المسلحة فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تقييم الاستراتيجية. فبدلاً من التركيز على الحلول العسكرية البحتة، يجب أن تُستغل هذه الفترة لتعزيز الجانب التنموي في المناطق المحررة. يجب أن تكون هذه العملية جزءًا من استراتيجية شاملة تركز على إعادة بناء المجتمعات المحلية، وتوفير فرص العمل، وإعادة دمج المقاتلين التائبين، وتوفير التعليم والرعاية الصحية. وإلا، فإننا سنشهد تكرارًا للسيناريو نفسه. فالتاريخ الحديث للصراعات المماثلة، من العراق إلى أفغانستان، يُظهر أن الحل العسكري وحده لا يمكن أن يقضي على الإرهاب إذا لم يُصاحبه حل سياسي واجتماعي. إن استمرار هذا الصراع لأكثر من عقد يشير إلى أن هناك تحديًا هيكليًا أعمق من مجرد قدرة الجماعة على القتال، وهو يكمن في فشل الدولة في توفير الأمن والرخاء للمواطنين في المناطق الحدودية.

في الختام، يُعد انتصار الجيش النيجيري خطوة إيجابية ومهمة في الاتجاه الصحيح. إنه يرسل رسالة قوية إلى الجماعات الإرهابية بأن يد الدولة قادرة على الوصول إليها، ويمنح بعض الأمل للملايين الذين يعيشون في ظل الخوف المستمر. ومع ذلك، يجب أن نكون واقعيين. بوكو حرام، وكذلك فرعها المتنافس تنظيم الدولة في غرب إفريقيا (ISWAP)، أثبتت مرونة مذهلة. لكي يكون هذا الانتصار دائمًا، يجب على الحكومة النيجيرية أن تتبنى استراتيجية طويلة الأجل لا تعتمد فقط على القوة العسكرية. بل يجب أن ترتكز على بناء جسور الثقة مع المجتمعات المحلية، ومعالجة الأسباب الجذرية للتطرف، وتعزيز التعاون الإقليمي مع الدول المجاورة. عندها فقط، يمكن أن نأمل في أن يكون هذا النصر مجرد بداية لتحول حقيقي، وليس مجرد هدنة مؤقتة في حرب لا مفر منها.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url