صدى الماضي يتردد: لماذا يثير "اغتيال" سيف الإسلام القذافي موجة تحقيق في ليبيا الآن؟Saif-al-Islam-Gaddafi-Assassination-Investigation-Libya-Now-Why-The-Past-Echoes



في خضم الترقب الحذر الذي يلف المشهد السياسي الليبي المتعثر، جاء إعلان النيابة العامة بفتح تحقيق في حادثة وفاة سيف الإسلام القذافي، النجل الأبرز للزعيم الراحل معمر القذافي، كصدمة جديدة تهز ركائز المرحلة الانتقالية الهشة. لم يكن الأمر يتعلق فقط بوفاة شخصية كانت يوماً ما تحمل طموحات حكم، بل بتداعيات اغتيال (أو مقتل) حدث في ظل ظروف غامضة، مما يفتح الباب مجدداً على مصراعيه أمام ملفات الأمس التي لم تُغلق قط. هذا التحرك القضائي، الذي يأتي بعد أيام من وقوع الحادثة المزعومة، لا يعكس مجرد إجراء روتيني لمؤسسة دولة تحاول إثبات وجودها، بل يشير إلى أزمة ثقة عميقة داخل الليبيين حول مصير أبناء النظام السابق، وكيفية التعامل مع الإرث المعقد لسنوات من الحكم المركزي القاسي. السؤال المحوري الذي يطرح نفسه: هل هذا التحقيق يسعى إلى تحقيق العدالة، أم أنه مجرد مناورة سياسية في لعبة القوة المستمرة؟

التحقيق الذي أُعلن عنه، والذي يضم خبراء وأطباء شرعيين توجهوا إلى مدينة الزنتان – المعقل التاريخي للمعارضة المسلحة التي أطاحت بالنظام – يكتسب أهمية قصوى لأنه يلامس أعمق جروح الصراع الليبي. سيف الإسلام، الذي كان يُنظر إليه كوجه أكثر اعتدالاً أو ربما كـ"أمل" لبعض الموالين للقذافي في العودة، قُتل وفق التقارير الأولية في ظروف تتراوح بين الاشتباكات العشائرية أو التصفية السياسية. الزنتان، التي احتجزته لسنوات، هي نفسها المنطقة التي شهدت سجناً غير قضائي، وشهدت أيضاً تحولات ولاءات متكررة. إن انتقال فريق التحقيق إلى هذه المنطقة بالذات، التي تتمتع بنفوذ عسكري وأمني كبير، يمثل تحدياً لوجستياً وقانونياً هائلاً. سلطة القانون في ليبيا غالباً ما تكون ثانوية أمام سلطة الميليشيات والجهات المسلحة، وهذا التحقيق سيعكس مدى قدرة النيابة العامة على فرض سيادتها الحقيقية، أو إنها ستكون مجرد زيارة بروتوكولية لجمع معلومات محدودة تحت إشراف القوة المهيمنة محلياً.

من وجهة نظري، هذا الإعلان يحمل دلالات متناقضة. على السطح، هو استجابة ضرورية لمطلب أساسي في أي دولة تسعى للشرعية: محاسبة المسؤولين عن الوفيات غير الطبيعية، خاصة لشخصية عامة كانت مطلوبة دولياً وقضائياً (حتى لو كانت الأحكام محل جدل). لكن في العمق، يمثل فتح هذا الملف محاولة لإعادة تعريف علاقة الدولة الليبية بماضيها. النظام السابق لم يُحاسب بشكل كامل، والكثير من قادته إما قُتلوا، أو فروا، أو يعيشون في تهميش دائم. عندما يُفتح تحقيق في مقتل أحد رموز هذا النظام، فهذا يعني أن هناك قوى داخل المشهد السياسي الحالي ترى أن استقرار البلاد يتطلب – ولو شكلياً – طي صفحة العنف عبر الإجراءات الرسمية، بدلاً من ترك النهايات مفتوحة للاغتيالات العشوائية. الضغط الذي مارسه رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، لضبط النفس، يؤكد أن هناك خشية حقيقية من أن يتحول هذا التحقيق إلى شرارة جديدة للتصعيد القبلي أو الجهوي.

التحدي الأكبر الذي يواجه هذا التحقيق ليس إيجاد الأدلة، بل إيجاد الإرادة السياسية لتطبيق النتائج. ليبيا اليوم ليست دولة موحدة تحت سلطة قضائية واحدة؛ بل هي فسيفساء من الكيانات الأمنية المتناحرة والمتعاونة حسب المصالح. إذا كشف التحقيق عن تورط جهة مسلحة قوية في الزنتان أو أي مدينة أخرى، فهل ستملك النيابة العامة القدرة على إصدار مذكرات توقيف ضد قادة هذه المجموعات دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار أمني أوسع؟ التاريخ القريب يعلمنا أن العدالة التي تتعارض مع توازنات القوى القائمة غالباً ما يتم دفنها سريعاً. لذلك، يجب أن ننظر إلى هذا التحقيق كاختبار حاسم لمدى نضج المؤسسات الليبية وقدرتها على تجاوز الولاءات الفصائلية لصالح سيادة القانون، وهو اختبار لطالما فشلت فيه ليبيا منذ عام 2011.

في الختام، يبقى إعلان النيابة العامة الليبية عن تحقيق في وفاة سيف الإسلام القذافي حدثاً ذا دلالة بالغة، ولكنه محفوف بالمخاطر والشكوك. إنه يمثل فرصة لتوثيق حقبة مظلمة من تاريخ البلاد، ولكن الأرجح أنه سيتحول إلى فصل آخر في مسرحية السياسة الليبية المعقدة، حيث تتشابك الحقيقة مع الحاجة إلى إرضاء الأطراف المختلفة. إن تجاوز هذه المرحلة بنجاح يتطلب أكثر من مجرد فريق من الطب الشرعي؛ يتطلب إجماعاً وطنياً على أن لا أحد فوق القانون، حتى أولئك الذين كانوا يوماً ما يعتقدون أنهم فوق الدولة بأكملها. المستقبل الحقيقي لليبيا لن يُبنى فقط على نبش قبور الماضي، بل على ضمان أن يكون القانون هو القاتل النهائي، وليس السلاح غير المرئي.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url