وحدة لا تنافس: هل يحل رئيس وحيد أزمة رجاء بني ملال؟Unrivaled-unity-Can-a-single-president-solve-the-Raja-Beni-Mellal-crisis
في صدمة غير متوقعة لمتابعي الشأن الرياضي بمدينة بني ملال، ولعشاق الجمعية الرياضية رجاء بني ملال على وجه الخصوص، انقضت مهلة الترشح لرئاسة النادي دون أن تسجل اللجنة المكلفة سوى لائحة واحدة. هذا المشهد، الذي كان من المفترض أن يكون مسرحاً للتنافس الديمقراطي الحيوي، تحول إلى إعلان بالتزكية لرئيس وحيد، مهدي الشرايبي. الخبر، الذي أوردته مصادر موثوقة، يطرح أكثر من علامة استفهام حول حقيقة المشهد الرياضي في القلعة الملالية. فهل يعكس غياب المنافسين إجماعاً نادراً على الرؤية والقيادة، أم أنه مؤشر خطير على حالة من التراجع والفتور، حيث يبتعد الكفاءات عن تحمل المسؤولية في ظل تحديات هيكلية ضخمة؟ إن النظر إلى المشهد من منظور سطحي قد يوحي بالوحدة والانسجام، لكن التعمق في التفاصيل يكشف عن تضاريس معقدة لا تخلو من مآزق. ففي الوقت الذي تتطلع فيه الأندية المغربية إلى الاحترافية والحكامة الجيدة، يبدو أن رجاء بني ملال يواجه أزمة قيادة حقيقية، تجعل كرسي الرئاسة يبدو وكأنه عبء أكثر منه شرفاً. إن هذه النتيجة ليست مجرد حدث عابر في دورة انتخابية، بل هي انعكاس عميق لواقع النادي والمحيط الذي يعمل فيه، واقع يفرض علينا التساؤل عن الأسباب الجذرية التي أدت إلى هذه النتيجة، وعن مستقبل النادي في ظل قيادة جاءت بالتزكية لا بالصراع الانتخابي.
إن غياب المنافسة يثير تساؤلات حول مدى جاذبية كرسي الرئاسة في الوقت الحالي. فبدلاً من رؤية سباق محموم بين عدة قوائم تسعى لتقديم برامجها وتصوراتها، شهدنا فراغاً تاماً. هذا الفراغ القيادي قد يكون ناتجاً عن عدة عوامل متداخلة. أولاً، العبء المالي الثقيل. الأندية المغربية تعاني بشكل عام من مشاكل مالية مزمنة، وديون متراكمة على مر السنوات. إن رئاسة نادٍ جماهيري بحجم رجاء بني ملال تعني تحمل مسؤولية هذه الأعباء، وهو ما قد يردع الكثير من المستثمرين ورجال الأعمال عن خوض التجربة. فالمشهد الحالي لا يقدم ضمانات كافية لتحقيق عوائد مجزية، بل يضع الرئيس الجديد أمام تحدي إطفاء حرائق مالية قبل التفكير في البناء الرياضي. ثانياً، تعقيدات المشهد الإداري والجماهيري. أندية كرة القدم المغربية ليست مجرد مؤسسات رياضية، بل هي كيانات اجتماعية وسياسية معقدة تتداخل فيها مصالح الأطراف المختلفة: السلطات المحلية، المستشهرون، والأهم من ذلك، الجماهير الغفيرة التي تتابع كل صغيرة وكبيرة. هذا الضغط الجماهيري، رغم أهميته، يمكن أن يتحول إلى قوة طاردة للقيادات الجديدة. ثالثاً، غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة. إذا كان النادي لا يمتلك خطة عمل طويلة الأمد لتمويل نفسه وتطوير بنيته التحتية، فإن أي رئيس جديد سيجد نفسه يدور في حلقة مفرغة من الحلول الترقيعية. كل هذه العوامل مجتمعة تجعل كرسي رئاسة رجاء بني ملال يبدو كمنصب انتحاري بدلاً من كونه منصباً مرموقاً، وهو ما يفسر ابتعاد الكفاءات عن الترشح.
من هذا المنطلق، يجب تحليل وضع المهدي الشرايبي كمرشح وحيد. إن فوزه بالتزكية يمنحه سلطة تنفيذية واسعة دون الحاجة لخوض معركة انتخابية داخلية. لكن هذا الانتصار السهل لا يعني بالضرورة سهولة المهمة. على العكس تماماً، فغياب المنافسة يضع الشرايبي أمام ضغط مضاعف لإثبات شرعيته. عندما يفوز المرشح بعد صراع انتخابي، فإنه يحظى بدعم نسبي من أنصاره، بينما يواجه الرئيس الذي يأتي بالتزكية تحدي إقناع الجميع، بمن فيهم المترددون والذين كانوا ينتظرون منافسين آخرين. إن التحدي الأكبر للشرايبي ليس في الحصول على المنصب، بل في كيفية استغلال هذه التزكية لتوحيد الصفوف حول رؤية واضحة. يجب عليه أن يدرك أن الجماهير لن ترحمه، وأن فترة السماح ستكون قصيرة جداً. أولوياته يجب أن تكون واضحة وملموسة: أولاً، إعادة الهيكلة المالية للنادي وتطهير الديون، وثانياً، تحسين الوضع الرياضي للفريق الأول الذي يعاني في السنوات الأخيرة. إن النجاح في هذه المهمة سيتطلب ليس فقط الموارد المالية، بل أيضاً قدرة كبيرة على التواصل والشفافية مع الجماهير ومعرفة كيفية بناء الثقة المفقودة بين الإدارة والشارع الرياضي الملالي.
هذه الحالة ليست فريدة من نوعها في المشهد الرياضي المغربي، بل هي نموذج متكرر يعكس تحديات الحكامة في الأندية. ففي العديد من الأندية، نجد أن الجمع العام ليس ساحة حقيقية للديمقراطية، بل هو آلية لتأكيد توافقات سابقة تمت في الكواليس. يتم تداول الأسماء، وتحديد المرشحين الأقوياء، وغالباً ما يتم إقناع المرشحين المحتملين بالتراجع لضمان تمرير لائحة وحيدة. هذا النمط من الإجماع المزيف يعكس هشاشة البنية الديمقراطية داخل هذه المؤسسات. إن الهدف من هذا الإجماع قد يكون ضمان الاستقرار، لكنه في الحقيقة يقضي على التنافس الإيجابي الذي يعد محركاً للابتكار والتجديد. عندما يغيب التنافس، تغيب معها الحوافز لتقديم أفضل البرامج. كما أن هذا النمط يفتح الباب أمام هيمنة قوى معينة على تسيير النادي، سواء كانت قوى سياسية محلية أو رجال أعمال مرتبطين بملف معين. هذا الوضع يؤدي إلى تراجع دور النادي كمؤسسة رياضية مستقلة، وتحويله إلى أداة لخدمة مصالح خارجية. يجب أن نسعى بجدية لتطوير آليات ديمقراطية تضمن مشاركة أوسع للكفاءات، وتحد من هيمنة الأجندات الخفية على مستقبل الأندية.
في الختام، فإن المشهد الانتخابي لرجاء بني ملال، حيث تم إيداع لائحة واحدة فقط، يجب أن يُنظر إليه على أنه جرس إنذار وليس احتفالاً بالوحدة. إنه مؤشر على أن النادي يمر بمرحلة حرجة تتطلب أكثر من مجرد تغيير شكلي في الأسماء. التحدي الحقيقي الذي يواجه المهدي الشرايبي الآن ليس في تولي المنصب، بل في كيفية تحويل هذا التفويض الوحيد إلى شرعية مستدامة مبنية على الإنجازات الملموسة. يتطلب ذلك خطة عمل طموحة وشفافة تركز على بناء هيكل إداري ومالي قوي، وتعمل على إشراك الجماهير والمحيط الرياضي في عملية اتخاذ القرار. إن رجاء بني ملال يستحق أن يكون له قيادة تنافسية، تتصارع على تقديم أفضل الرؤى لتطوير النادي. لكن في ظل الواقع الراهن، فإن المسؤولية تقع على عاتق الرئيس الجديد ليثبت أن هذا الإجماع لم يكن سوى مقدمة لمرحلة جديدة من البناء، وأن غياب المنافسين لن يعني غياب المساءلة. إن نجاح الشرايبي سيعتمد على قدرته على تخطي العقبات الهيكلية، وتحويل التزكية إلى إنجاز فعلي يعيد الثقة للجماهير ويضع النادي على طريق الاحتراف الحقيقي.