ما وراء القصف: تفكيك الاستراتيجية النيجيرية لـ«حرمان داعش من حرية الحركة»Beyond-the-bombing-Deconstructing-Nigeria's-strategy-to-deny-ISIS-freedom-of-movement
في المشهد الجيوسياسي المعقد لغرب إفريقيا، حيث تحولت التحديات الأمنية من تهديدات محلية إلى شبكات إرهابية عابرة للحدود، تبرز نيجيريا كمركز للثقل والتوتر. الأنباء الأخيرة عن تنفيذ القوات الجوية النيجيرية لضربات جوية مكثفة، استهدفت معاقل لجماعات إرهابية مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لا تمثل مجرد عملية عسكرية روتينية، بل تشير إلى تحول استراتيجي في عقيدة مكافحة التمرد. الخبر الوارد عن القضاء على عشرات الإرهابيين في هذه العمليات، يكتسب أهمية خاصة عند النظر إليه من منظور الهدف المعلن للجيش النيجيري: «حرمان الجماعات الإرهابية والإجرامية من حرية الحركة». هذا الهدف، الذي قد يبدو تقنيًا للوهلة الأولى، هو في الواقع مفتاح فهم ديناميكيات الصراع في منطقة الساحل. ففي صراع غير متكافئ بين دولة نظامية وقوات غير نظامية، تعتمد الأخيرة بشكل كبير على المرونة، والاختباء، والقدرة على المناورة لتجنب الاشتباك المباشر مع قوات مدربة. إن حرمان هذه الجماعات من القدرة على التحرك بحرية يعني تجميد شريان حياتها اللوجستي، وتقييد قدرتها على التجنيد، والتخطيط للكمائن والهجمات. وبالتالي، فإن هذه الضربات الجوية، إن كانت دقيقة ومستدامة، تهدف إلى قطع الأوكسجين عن شبكة إرهابية اعتادت على العمل في مساحات شاسعة وغير خاضعة للسيطرة الفعالة.
التحول نحو استراتيجية «حرمان الحركة» يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الحرب ضد الإرهاب في نيجيريا، وخاصة ضد جماعات مثل ISWAP (فرع تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا)، تتطلب أكثر من مجرد عمليات تطهير تقليدية للمناطق. لطالما كان تحدي الجيش النيجيري يكمن في التعامل مع طبيعة التمرد التي تتسم بالسيولة. فالإرهابيون يتنقلون باستمرار بين مناطق الغابات الكثيفة (مثل غابة سامبيسا)، وبحيرة تشاد المعقدة، والمناطق الحدودية التي يصعب مراقبتها. هذه البيئات توفر لهم ملاذات آمنة تسمح بإعادة التجمع والتنظيم بعد كل ضربة يتلقونها. وباستخدام القوة الجوية لتعطيل خطوط الإمداد والتجمعات، تسعى نيجيريا إلى إجبار الإرهابيين على التشتت والابتعاد عن المناطق الحضرية، مما يقلل من قدرتهم على شن هجمات كبيرة. إن هذا التكتيك، المستعار من عقائد مكافحة الإرهاب الحديثة في مناطق أخرى مثل العراق وسوريا، يهدف إلى تحويل التفوق الجوي إلى ميزة استراتيجية مستدامة، بدلًا من مجرد وسيلة للدفاع العرضي. لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب استخبارات دقيقة للغاية وتنسيقًا محكمًا بين القوات الجوية والبرية لضمان متابعة الأهداف وتقييم الأضرار بشكل فوري. فبدون وجود قوات برية قادرة على تثبيت المكاسب التي تحققها الضربات الجوية، فإن استراتيجية حرمان الحركة قد تتحول إلى مجرد عملية «طرد» للمسلحين من منطقة إلى أخرى، دون القضاء الفعلي على بنيتهم التحتية.
لا يمكن فصل العمليات العسكرية الجارية في نيجيريا عن السياق الإقليمي الأوسع لمنطقة الساحل. فعدم الاستقرار في دول الجوار، خاصة في النيجر ومالي، يوفر بيئة مثالية لازدهار الجماعات المتطرفة. إن الحدود النيجيرية الممتدة مع النيجر وتشاد والكاميرون تسمح بتبادل المقاتلين والأسلحة، وتجعل من الصعب احتواء التهديد داخل حدود دولة واحدة. ما يشهده الساحل حاليًا هو تحول في مركز ثقل التمرد. بعد أن كان التركيز في السابق على جماعة بوكو حرام التقليدية، أصبحت جماعة ISWAP أكثر تنظيمًا وتفوقًا في بعض الأحيان، مستفيدة من العلاقة الأيديولوجية مع تنظيم داعش العالمي. هذا التطور يتطلب استجابة إقليمية منسقة، تتجاوز الضربات العسكرية الوطنية. السؤال هنا هو: هل تعمل نيجيريا، عبر هذه الضربات، على تحقيق استقرار إقليمي أم أنها تسعى فقط إلى تأمين حدودها؟ الرد على التمرد يجب أن يكون شاملًا، ويتضمن تعاونًا استخباراتيًا مع الجيران، والعمل على قطع التمويل عن هذه الجماعات، والذي غالبًا ما يأتي من الجريمة المنظمة، مثل الاختطاف وتهريب الموارد الطبيعية. إن الضربات الجوية تنجح في مواجهة المقاتلين، لكنها لا تنجح بالضرورة في مواجهة الفكر المتطرف الذي يغذي التجنيد، وهو ما يتطلب معالجة شاملة تتضمن البعد الديني والاجتماعي.
على الرغم من النجاحات المعلنة في القضاء على عشرات الإرهابيين، يجب أن نتناول هذه الاستراتيجية بقدر من التحليل النقدي. فالاعتماد المفرط على القوة الجوية في مناطق ذات كثافة سكانية عالية، أو في مناطق تحتوي على مدنيين نازحين (كثير منهم يعيشون بالقرب من معسكرات الجماعات المسلحة تحت الضغط)، يثير مخاوف جدية بشأن الأضرار الجانبية. إن الخسائر البشرية غير المقصودة، حتى لو كانت قليلة، يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تدفع الضربات الجوية التي تفتقر إلى الدقة المدنيين إلى أحضان الجماعات الإرهابية، التي تستغل هذه الأخطاء لتغذية خطاب الكراهية ضد الحكومة. إن استراتيجية «حرمان الحركة» تتطلب أيضًا توازنًا دقيقًا بين القوة العسكرية والجهود المدنية والإنسانية. يجب أن تكون الضربات الجوية جزءًا من استراتيجية أوسع تتضمن إعادة بناء الثقة بين الحكومة والمجتمعات المحلية، وتوفير الخدمات الأساسية، وتعزيز التنمية الاقتصادية. فالمناطق التي تسيطر عليها الجماعات الإرهابية غالبًا ما تكون مناطق تعاني من الفقر المدقع وغياب الدولة. إن القضاء على التمرد يتطلب أكثر من تصفية المقاتلين؛ يتطلب القضاء على الأسباب الجذرية التي تدفع الشباب إلى حمل السلاح، وهذا يتطلب استثمارًا طويل الأجل في التعليم والصحة والبنية التحتية، وهو ما لا يمكن للضربات الجوية وحدها أن تحققه.
في الختام، تعكس الضربات الجوية النيجيرية الأخيرة، بتركيزها الاستراتيجي على حرمان الإرهابيين من حرية الحركة، تحولًا مرحبًا به في التكتيكات العسكرية. إن القضاء على عشرات المقاتلين في معاقلهم يمثل بلا شك ضربة قاسية لجماعات مثل داعش، ويعزز قدرة الحكومة النيجيرية على فرض سيطرتها. ومع ذلك، يجب أن ندرك أن هذه العمليات التكتيكية، مهما كانت فعالة على المدى القصير، لا تشكل نهاية الصراع. إن التحدي الأكبر الذي تواجهه نيجيريا يكمن في تحويل هذه المكاسب الميدانية إلى استقرار دائم. هذا يتطلب استراتيجية شاملة تدمج النجاح العسكري مع الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. يجب على الحكومة النيجيرية أن تتبنى نهجًا متعدد الأوجه لمعالجة الأسباب الجذرية للتمرد، وتضمين المجتمعات المحلية في عملية بناء السلام، وضمان أن تكون هذه العمليات العسكرية محكومة بالشفافية والمساءلة لتجنب الأضرار الجانبية. إن الحرب ضد الإرهاب في نيجيريا ليست مجرد سباق تسلح؛ إنها سباق على كسب قلوب وعقول السكان المتضررين، وهو السباق الذي لا يمكن الفوز به بالقوة الجوية وحدها.