كسر حاجز الصمت: نساء المغرب يُعلين صوت المطالبة بالمساءلة وتحقيق العدالةBreaking-Silence-Moroccan-Women-Demand-Accountability-Justice

Breaking-Silence-Moroccan-Women-Demand-Accountability-Justice


مع اقتراب الثامن من مارس، اليوم العالمي للمرأة، تتجدد الدعوات وتتعالى الأصوات المطالبة بتحويل الوعود إلى واقع ملموس في مسيرة النساء المغربيات نحو العدالة والمساواة. هذا العام، لم تكن تلك الدعوات مجرد احتفاء رمزي، بل شكلت بيانات صادرة عن جمعيات نسائية رائدة في المغرب، تحديدًا الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب (ADFM) وفيدرالية رابطة حقوق النساء (FLDF)، بمثابة صيحة إنذار واضحة. لقد عبرت هذه البيانات عن قلق عميق وحالة من الاستياء إزاء الفجوة المتسعة بين الخطابات الرنانة حول حقوق المرأة وبين التجربة الحياتية الفعلية لعدد كبير من النساء. إنها دعوة صريحة ومباشرة لإنهاء ما وصفنه بـ “الانتظار” الطويل، وتفعيل المساءلة القانونية والمؤسساتية بشكل حقيقي، مما يستدعي مراجعة شاملة للتشريعات والآليات القائمة.

إن مصطلح “الانتظار” الذي استخدمته هذه الجمعيات ليس مجرد كلمة عابرة، بل هو تعبير مكثف عن عقود من الآمال المعلقة على وعود الإصلاح، وعن التأخر المستمر في تطبيق القوانين، وعن الثغرات التي تسمح باستمرار التمييز والعنف ضد المرأة. فبينما يمتلك المغرب ترسانة تشريعية متطورة نسبيًا في بعض الجوانب، خاصة مع التعديلات المتعددة لمدونة الأسرة وقوانين أخرى، إلا أن التطبيق الفعلي لهذه النصوص غالبًا ما يواجه تحديات جمة. تتراوح هذه التحديات بين الفهم المجتمعي الخاطئ للقوانين، إلى المقاومة الثقافية والاجتماعية للتغيير، وصولًا إلى ضعف إنفاذ القانون من قبل بعض المؤسسات. وهذا “الانتظار” لا يقتصر على جانب واحد، بل يمس جميع مناحي حياة المرأة، من حمايتها من العنف الأسري والجنسي، إلى ضمان حقوقها في الميراث، إلى تحقيق المساواة في الفرص الاقتصادية والسياسية. إنه شعور بالإحباط من أن التقدم على الورق لا يترجم بالسرعة الكافية إلى تحسينات ملموسة في الحياة اليومية لملايين النساء المغربيات.

الدعوة إلى “المراجعة الشاملة للمنظومة التشريعية والمؤسساتية” تمثل جوهر المطالب الحالية. فالمسألة لا تتعلق بتصحيح بعض المواد القانونية هنا وهناك، بل هي دعوة لإعادة النظر في الفلسفة الكامنة وراء هذه القوانين، ومدى تماشيها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتفعيلها بآليات واضحة وقابلة للقياس. تعني المراجعة المؤسساتية ضرورة تقوية الأجهزة المعنية بإنفاذ القانون، وتدريب العاملين فيها على التعامل مع قضايا المرأة بحساسية وعدالة، وتوفير الموارد الكافية لدعم الضحايا، وضمان وصول النساء إلى العدالة دون عوائق. تفعيل المساءلة القانونية يقتضي عدم التسامح مع الإفلات من العقاب، وضمان أن تكون العدالة سريعة وفعالة وشفافة، وأن تكون هناك آليات واضحة لمحاسبة كل من يخفق في تطبيق القانون أو يتواطأ في انتهاك حقوق النساء. هذا الجهد المشترك بين التشريع والسياسات يهدف إلى بناء نظام يحمي حقوق النساء فعليًا، وليس فقط نظريًا.

من وجهة نظري، تأتي هذه النداءات في لحظة حاسمة، حيث تتزايد الوعي المجتمعي بأهمية حقوق المرأة كركيزة أساسية للتنمية الشاملة والديمقراطية الحقيقية في المغرب. إن اختيار هذا التوقيت، عشية اليوم العالمي للمرأة، ليس محض صدفة، بل هو استراتيجية واعية لتسليط الضوء على هذه المطالب الحيوية وجذب انتباه الرأي العام والمسؤولين. إن هذه البيانات ليست مجرد صرخات غضب، بل هي خلاصة خبرة وتجربة طويلة لهذه الجمعيات في العمل الميداني والتشبيك مع النساء من مختلف الخلفيات. هي تذكير بأن حقوق المرأة ليست قضايا هامشية يمكن تأجيلها أو التعامل معها بفتور، بل هي حقوق إنسانية أصيلة، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالكرامة والعدالة الاجتماعية. تجاهل هذه الأصوات لن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوات وتراجع الثقة في المؤسسات، بينما الاستجابة الإيجابية يمكن أن تدفع بالمغرب نحو موقع ريادي في المنطقة في مجال حقوق الإنسان والمساواة.

إن المسار نحو تحقيق المساواة الكاملة والعدالة للمرأة في المغرب لا يزال طويلًا ومليئًا بالتحديات، لكن هذه النداءات الأخيرة تزرع بذور أمل في أن التغيير ممكن. يتطلب الأمر إرادة سياسية حقيقية، لا تقتصر على إصدار القوانين، بل تمتد إلى ضمان تطبيقها الفعال والسريع. كما يتطلب مشاركة مجتمعية واسعة، حيث تتحمل كل فئة في المجتمع مسؤوليتها تجاه دعم حقوق المرأة. من المؤسسات الحكومية، إلى المجتمع المدني، إلى الأفراد، يجب أن يكون هناك التزام جماعي بإنهاء ثقافة “الانتظار” والتحول نحو ثقافة العمل والمساءلة. إن تفعيل المساءلة القانونية والاجتماعية ليس فقط مطلبًا نسائيًا، بل هو ضرورة وطنية لتعزيز دولة القانون وتحقيق التنمية المستدامة والشاملة. حان الوقت لكي يتحول المغرب من مجرد التعبير عن التزامه بحقوق المرأة إلى تجسيد هذه الالتزامات في حياة كل امرأة مغربية، لتكون هذه الدعوات نقطة تحول حقيقية لا مجرد صدى يتردد ثم يتلاشى.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url