قمة جيبوتي-إثيوبيا-الصومال: قراءة في خريطة التوتر الجيوسياسي وموقف مصر الغائبDjibouti-Ethiopia-Somalia-Summit-Geopolitical-Tension-Map-And-Egypts-Absent-Position

Djibouti-Ethiopia-Somalia-Summit-Geopolitical-Tension-Map-And-Egypts-Absent-Position


شهدت منطقة القرن الأفريقي مؤخراً تطوراً لافتاً تمثل في عقد قمة ثلاثية بين قادة جيبوتي وإثيوبيا والصومال. لم تكن القمة الأولى من نوعها، بل هي الثانية خلال فترة وجيزة لا تتجاوز الـ 40 يوماً. هذا التكرار السريع للاجتماعات على مستوى القمة بين هذه الدول الثلاث يثير علامات استفهام عميقة حول طبيعة التفاهمات الجارية وحجم الضغوط الجيوسياسية التي تدفعها. إن الهدف المعلن للقمة هو تعزيز التعاون الإقليمي ومناقشة التحديات المشتركة، لكن السياق الأوسع يشير إلى أن الهدف الحقيقي يتجاوز ذلك بكثير؛ إنه محاولة لإدارة ملفات التوتر الساخنة التي أشعلتها طموحات إثيوبيا للوصول إلى البحر. التحدي الأكبر يكمن في التوفيق بين ضرورة إثيوبيا الاقتصادية المتمثلة في الحصول على منفذ بحري، والحفاظ على سيادة الصومال ووحدة أراضيه، مع وضع مصالح جيبوتي الحيوية في ميزان التوازن. هذه المعادلة المعقدة هي جوهر ما يجري خلف أبواب القمة المغلقة، حيث تسعى الدول الثلاث إلى إعادة رسم ملامح التفاهمات الإقليمية في ظل غياب أو تغييب لاعبين رئيسيين آخرين.

القمة الأخيرة جاءت في أعقاب تصاعد ملحوظ في التوترات الإقليمية، مدفوعاً بشكل أساسي بالضغوط الداخلية والخارجية التي تواجهها إثيوبيا. بالنسبة لأديس أبابا، فإن الحاجة إلى منفذ بحري ليست مجرد رفاهية، بل هي ضرورة اقتصادية واستراتيجية ملحة. فمنذ انفصال إريتريا، أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة تعتمد بشكل كلي على موانئ الدول المجاورة، وفي مقدمتها جيبوتي. هذا الاعتماد خلق عبئاً اقتصادياً هائلاً على كاهل الاقتصاد الإثيوبي المتنامي. طموحات رئيس الوزراء آبي أحمد في هذا الصدد واضحة، حيث سعى إلى تأمين وصول دائم وموثوق إلى البحر الأحمر. هذا السعي أدى إلى توقيع مذكرة التفاهم المثيرة للجدل مع إقليم أرض الصومال (صوماليلاند) الانفصالي، وهو ما اعتبرته مقديشو انتهاكاً صارخاً لسيادتها. القمة الثلاثية الأخيرة يمكن قراءتها كجزء من محاولات إثيوبيا لاحتواء تداعيات هذا الاتفاق، وربما إيجاد بدائل أقل إثارة للجدل، أو الحصول على دعم إقليمي لمواقفها. إن حضور جيبوتي في هذه المعادلة أمر محوري، فهي الدولة التي تستضيف الجزء الأكبر من التجارة الإثيوبية، ووجودها كطرف ثالث في المفاوضات يمنحها ثقلاً كبيراً في توجيه التفاهمات نحو مسار يحافظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية كمركز إقليمي للموانئ.

من وجهة نظر الصومال، فإن هذه القمم تمثل فرصة لترسيخ سيادتها وتأكيد موقفها الرافض لأي مساس بوحدة أراضيها. الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، يجد نفسه أمام تحدٍ داخلي وخارجي هائل. داخلياً، يجب عليه أن يثبت للشعب الصومالي أنه قادر على حماية مصالح الأمة والدفاع عن الحدود. خارجياً، يواجه ضغوطاً من إثيوبيا التي تسعى لتأمين مصالحها بغض النظر عن تداعيات ذلك على الصومال. إن مشاركة الصومال في هذه القمة ليست علامة على الضعف، بل هي محاولة للدخول في حوار مباشر مع الأطراف المعنية، خاصة جيبوتي، لتعزيز جبهة إقليمية موحدة ضد التدخلات الخارجية. الصومال يسعى لاستغلال هذه المنصات لإيضاح موقفه بأن أي حل يجب أن يكون شاملاً ويحترم القوانين الدولية وميثاق الاتحاد الأفريقي. إن وجود جيبوتي كطرف ثالث يعطي الصومال أملاً في التوصل إلى تفاهمات تضمن استقراره السياسي والأمني، بعيداً عن صراعات القوى الكبرى، وهو ما يسعى إليه الرئيس الصومالي لترسيخ مكانته كقائد قادر على حماية مصالح بلاده.

القمة الثلاثية الأخيرة تثير تساؤلات حادة حول موقف مصر، التي تعتبر نفسها لاعباً رئيسياً في منطقة البحر الأحمر ومرتبطة بعلاقات تاريخية وثيقة بالقرن الأفريقي. الغياب المصري عن هذه القمم المتتالية، أو تجاهل دورها في التفاهمات الإقليمية، يمكن تفسيره في ضوء التوترات القائمة بين القاهرة وأديس أبابا. ملف سد النهضة الإثيوبي يمثل نقطة خلاف رئيسية بين البلدين، وقد أدى إلى حالة من عدم الثقة المتبادلة. إثيوبيا تسعى لتعزيز تحالفاتها الإقليمية بعيداً عن النفوذ المصري، في حين تبدو القاهرة في وضع "المتفرج" أو "المراقب" لهذه التطورات. التوتر بين مصر وإثيوبيا يلقي بظلاله على مجمل التفاهمات الإقليمية، حيث ترى إثيوبيا أن بناء تحالفات ثلاثية (مع الصومال وجيبوتي) يخدم مصالحها ويقلل من تأثير النفوذ المصري في المنطقة. هذا الموقف يضع مصر في مأزق، فبينما تحرص القاهرة على استقرار المنطقة، فإنها لا تستطيع التدخل بشكل مباشر في ظل تصاعد التوتر مع أديس أبابا، مما يترك الساحة مفتوحة أمام الترتيبات الجديدة. التحدي لمصر هو كيفية استعادة دورها المحوري في منطقة تشهد تحولات سريعة، بعيداً عن ملف سد النهضة الذي هيمن على العلاقات الثنائية.

في الختام، فإن تكرار عقد قمة بين جيبوتي وإثيوبيا والصومال يعكس حاجة ملحة لإدارة الأزمات المتصاعدة في منطقة القرن الأفريقي. هذه القمم هي محاولة حثيثة لترميم التفاهمات الإقليمية التي اهتزت بفعل الطموحات الإثيوبية الجريئة، خاصة في ظل سعي إثيوبيا الحثيث لفك الحصار الجغرافي. على الرغم من أن الهدف المعلن هو تعزيز التعاون، فإن التحليل العميق يشير إلى أن الهدف الأكثر واقعية هو إدارة التوترات والبحث عن حلول وسط تمنع الانزلاق نحو صراع مفتوح. يبقى التحدي الأكبر هو التوفيق بين المصالح المتضاربة: حاجة إثيوبيا الملحة للمنفذ البحري مقابل ضرورة الصومال للحفاظ على سيادته. وفي ظل غياب مصر، اللاعب التقليدي، فإن هذه الترتيبات الجديدة قد تشكل بداية لترتيب إقليمي مختلف، حيث يتم اتخاذ القرارات بعيداً عن القوى التقليدية. من وجهة نظري، فإن هذه القمم ضرورية لضمان استقرار المنطقة، لكنها لن تكون كافية لحل المشكلات الجذرية ما لم يتم معالجة جذور التوتر بشكل شامل، ووضع إطار عمل إقليمي يضمن حقوق ومصالح جميع الدول، بما في ذلك إشراك مصر في قضايا الأمن الإقليمي والبحر الأحمر. إن الحوار المستمر هو الخيار الوحيد لتجنب التصعيد، ولكن يجب أن يتوسع ليشمل جميع الأطراف ذات المصلحة لضمان تفاهمات مستدامة.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url