الفراغ المميت: كيف يهدد الانسحاب الأوغندي بتفكيك شرق الكونغوThe-Fatal-Void-Ugandan-Withdrawal-Threatens-Eastern-Congo-Disintegration
لقد تحولت المنطقة الشرقية من جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى مأساة جغرافية وسياسية دائمة. لعقود من الزمان، كانت هذه البقعة الغنية بالموارد الطبيعية مرادفاً للعنف المزمن والفشل الأمني. ومع ذلك، فإن الوضع الحالي يحمل نذير شؤم فريد من نوعه. فبينما تتصاعد حدة الاشتباكات بين متمردي حركة M23 (مدعومين بشكل واضح من قِبل رواندا) والقوات المسلحة الكونغولية (FARDC)، تلوح في الأفق إمكانية انسحاب القوات الأوغندية (UPDF) التي كانت جزءاً من قوة شرق إفريقيا الإقليمية (EACRF). هذا الانسحاب المحتمل، سواء كان تكتيكياً أو استراتيجياً، يهدد بخلق فراغ أمني هائل. إن تاريخ المنطقة يثبت أن الطبيعة تكره الفراغ، ولكن في شرق الكونغو، الفراغ الأمني لا يُملأ بالقوات الحكومية، بل تُملأ بالمليشيات المتناحرة، مما يغذي دورة العنف التي لم تشهد لها المنطقة مثيلاً منذ سنوات.
إن الخطورة الحقيقية لهذا الانسحاب لا تكمن في غياب قوات معينة بحد ذاتها، بل في الإشارة الواضحة إلى فشل الاستراتيجية الإقليمية الأوسع. لقد تم إرسال قوة شرق إفريقيا الإقليمية (EACRF) في المقام الأول لتعزيز الاستقرار ومحاربة المتمردين، بما في ذلك المجموعات التي تصنفها كينشاسا كجماعات إرهابية مثل القوات الديمقراطية المتحالفة (ADF). ومع ذلك، فإن الوجود الأوغندي، الذي كان في البداية جزءاً من مبادرة ثنائية لملاحقة (ADF)، أصبح الآن موضع جدل سياسي عميق. فالحكومة الكونغولية نفسها أصبحت متشككة في فعالية هذه القوات، بل واتهمت بعضها بالتواطؤ أو التقاعس عن أداء واجبها. هذه التوترات السياسية تعكس إخفاقاً جماعياً للمجتمع الإقليمي في إيجاد حلول جذرية. إن الانسحاب الأوغندي في هذا التوقيت الحرج يمثل اعترافاً ضمنياً بهذا الفشل، ويترك الملايين من المدنيين في فوضى عارمة دون حماية حقيقية. إن تزايد النزوح الداخلي، الذي يعد بالفعل أحد أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، سيتفاقم بشكل كبير مع فقدان حتى هذا الوجود الأمني الهش.
من وجهة نظري، فإن الانسحاب الوشيك يعكس صراعاً جيوسياسياً معقداً يفوق مجرد الترتيبات العسكرية. إنه يعكس التنافس على النفوذ بين رواندا، التي تدعم M23، وأوغندا، التي تسعى للحفاظ على مصالحها الأمنية والاقتصادية. في الوقت نفسه، فإن الحكومة الكونغولية في كينشاسا تفتقر إلى القدرة العسكرية الكافية لملء الفجوة بنفسها. إن القوات المسلحة الكونغولية (FARDC) تعاني من ضعف مزمن في التنسيق، والتدريب، والموارد، فضلاً عن اتهامات بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان. إن الانسحاب الأوغندي، بغض النظر عن دوافعه المعلنة، يمنح M23 والميليشيات الأخرى فرصة ذهبية لتعزيز سيطرتها على المناطق الحيوية التي تربط شرق الكونغو بالبحيرات العظمى. إن هذا التحول في موازين القوى يزيد من احتمال انزلاق المنطقة إلى صراع مفتوح على نطاق واسع، حيث تسعى كل جماعة مسلحة لفرض سيطرتها على طرق التجارة ومناجم الموارد الطبيعية.
إن إعلان الانسحاب الأوغندي يذكرنا بأن الحلول الخارجية مؤقتة وغير مستدامة. إن تاريخ الكونغو مليء بالتدخلات الأجنبية، سواء كانت من الأمم المتحدة (MONUSCO) أو القوات الإقليمية (EACRF). ولكن كلما انسحبت هذه القوات، عادت المنطقة إلى نقطة الصفر. إن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف الدولة الكونغولية نفسها وعدم قدرتها على بسط سيادتها على كامل أراضيها. إن الميليشيات المسلحة، سواء كانت M23 أو جماعات الدفاع الذاتي المحلية، تزدهر في بيئة الفراغ الأمني والفراغ السياسي. إنها تستغل الانقسامات العرقية والمظالم التاريخية لتجنيد المقاتلين والسيطرة على المناطق. وفي غياب رؤية وطنية واضحة لإعادة بناء الدولة في الشرق، فإن الانسحاب الأوغندي لن يؤدي إلا إلى إفساح المجال أمام جماعات أخرى، وربما قوى إقليمية جديدة مثل مجموعة التنمية في الجنوب الأفريقي (SADC) التي تخطط لنشر قواتها، للدخول في نفس الدائرة المفرغة من التدخل المؤقت والانسحاب اللاحق.
لذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه ليس من سيحل محل القوات الأوغندية، بل كيف يمكن للكونغو أن تبني جيشاً وطنياً قادراً على حماية مواطنيها. إن الانسحاب الأوغندي يجب أن يكون بمثابة جرس إنذار لكينشاسا لإعادة تقييم استراتيجيتها الأمنية بشكل جذري. لا يمكن للحلول أن تقتصر على نشر قوات إقليمية متناوبة. يجب أن يكون هناك تركيز حقيقي على إصلاح القطاع الأمني، وتحقيق العدالة الانتقالية، ومعالجة المظالم الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي الصراع. إن تكرار سيناريو التدخل والانسحاب لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد المأساة. إذا استمرت كينشاسا في الاعتماد على الحلول الخارجية، فإن الفراغ الأمني الناتج عن الانسحاب الأوغندي لن يكون مجرد تحدٍ عابر، بل سيكون نقطة تحول قد تدفع شرق الكونغو نحو انهيار أوسع. إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب إرادة سياسية حقيقية لبناء دولة قوية، وليس مجرد استبدال جندي بآخر.