من الشيطان إلى الاستراتيجية: تفكيك خطاب العداء الإيراني الموجه لـ'الشر المطلق' ترامبFrom-Satan-To-Strategy-Deconstructing-Iranian-Hostility-Rhetoric-Targeting-Trump-Absolute-Evil
في خضم التوترات المتصاعدة التي تشبه سحب الرعد في سماء الشرق الأوسط، أطلقت طهران قذيفة لفظية حادة من قلب الدائرة الداخلية للمرشد الأعلى. تصريحات يحيى رحيم صفوي، المستشار العسكري البارز، والتي وصفت الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بأنه 'الشيطان بذاته'، ليست مجرد شتائم عابرة تبث على التلفزيون الرسمي؛ بل هي نافذة تكشف عن الميكانيزمات النفسية والاستراتيجية التي تدير الصراع بين واشنطن وطهران. عندما يصف مسؤول رفيع المستوى الخصم بهذا الوصف المطلق واللاهوتي، فإن ذلك يشير إلى أن المواجهة قد تجاوزت حدود السياسة الواقعية لتتحول إلى صراع وجودي أخلاقي في نظر طهران. هذا التوصيف الجذري، الموجه بوضوح للجمهور الداخلي والإقليمي على حد سواء، يخدم وظيفتين رئيسيتين: ترسيخ شرعية النظام عبر تحديد عدو كوني، وتعبئة الرأي العام عبر إضفاء طابع الجهاد على المواجهة السياسية.
إن اختيار كلمة 'الشيطان' في الخطاب السياسي الإيراني ليس اعتباطياً، بل هو تحميل للخصم بعبء تاريخي وديني عميق. في السردية الثورية، لطالما تم تصوير الولايات المتحدة على أنها 'الشيطان الأكبر'، لكن توجيه هذا الوصف بالتحديد لشخص ترامب يعكس فهماً استراتيجياً لطريقة عمله. يرى المحللون أن إدارة ترامب، بخروجها من الاتفاق النووي وتبنيها لسياسة 'الضغوط القصوى'، نجحت في خلق حالة من عدم اليقين الشديد، وهي بيئة مثالية لتقويض الاستقرار. عندما يصفه صفوي بأنه 'الأكثر فساداً وغباءً'، فهذا ليس تقييماً دبلوماسياً بقدر ما هو تشخيص لحالة العدو الذي يُنظر إليه على أنه غير عقلاني وقابل للخطأ. هذا يبرر موقف إيران الرافض للانخراط في مفاوضات 'بشروط متساوية' مع خصم يعتبرونه غير موثوق به وغير مستقر عقلياً. هذا الخطاب يخدم داخلياً أيضاً، حيث يوحد الصفوف الإيرانية تحت مظلة الخطر الخارجي المحدق الذي لا يمكن هزيمته إلا بالصمود الثوري.
على الجانب الآخر من هذا التصعيد اللفظي، يكمن التهديد المتجدد بتصفية إسرائيل، وهو جزء لا يتجزأ من العقيدة الأمنية والاستراتيجية الإيرانية. هذا التهديد، الذي يأتي مصاحباً لانتقاد ترامب، يهدف إلى إظهار الجبهة الموحدة في محور المقاومة. ترامب، الذي كان داعماً قوياً لحكومات إقليمية مناهضة لإيران، وتُوج بصفقات إبراهيم، يُنظر إليه في طهران كالعقل المدبر لـ'مؤامرة' تطويق إيران. لذلك، فإن ربط إدانة ترامب بالوعد بإنهاء وجود إسرائيل هو رسالة مزدوجة: رسالة طمأنة للحلفاء الإقليميين (كحزب الله والحوثيين) بأن المواجهة ضد 'إسرائيل' مستمرة بغض النظر عن أي تغييرات إدارية في واشنطن، ورسالة تهديد مباشر للخصمين بأن الإدارة الأمريكية الحالية (أو أي إدارة قادمة) لن تغير الحقيقة الجيوسياسية التي تراها إيران حتمية.
من وجهة نظري كخبير ومحلل، فإن هذا النوع من الخطاب المتشدد يعكس حالة من القلق العميق خلف الكواليس، رغم المظهر الخارجي الصلب. عندما يتم اللجوء إلى اللغة الدينية المتطرفة لوصف قيادة دولة عظمى، فهذا يعني أن القنوات التقليدية للردع والتفاوض أصبحت محدودة الفعالية. إنه اعتراف ضمني بأن الاستراتيجية الأمريكية الأخيرة قد نجحت جزئياً في عزل إيران وجعلت الحسابات صعبة. استخدام 'الشيطان' هو محاولة لإعادة تأطير الصراع كمعركة بين الخير والشر، بدلاً من كونه صراعاً على النفوذ الإقليمي أو موارد الطاقة. هذا التنميط اللفظي يسهل على القيادة تبرير القرارات الصعبة أو حتى الأعمال غير المتكافئة التي قد تتخذها في المستقبل، مثل التصعيد العسكري المحدود، لأنها تُقدم على أنها ضرورة دينية وليست خياراً سياسياً صرفاً. فهل يمكن التفاوض مع الشيطان؟ الإجابة الضمنية للنظام هي: لا، الحل الوحيد هو المواجهة أو الانتظار حتى يزول.
في الختام، لا يمكن النظر إلى تصريحات مستشار خامنئي بمعزل عن السياق الأوسع لـ 'الحرب بالوكالة' والسباق التكنولوجي والعسكري في المنطقة. وصف ترامب بـ 'الشيطان' هو علامة على استمرار تضخم التحدي الأمريكي في الوعي الجمعي للنخبة الإيرانية. هذا التوصيف يخدم كمنظم داخلي للخطاب، ويشدد على ثبات المبادئ الثورية ضد التغيرات العابرة في البيت الأبيض. ومع ذلك، فإن استمرار الاعتماد على هذا النوع من العداء المطلق قد يكون سيفاً ذا حدين؛ فبينما يحشد الداعمين، فإنه يعمق أيضاً العزلة الدولية ويغلق الأبواب أمام أي تواصل براغماتي قد يكون ضرورياً لتخفيف الضغوط الاقتصادية الهائلة التي تعيشها البلاد. المعركة اللفظية مستمرة، لكن الجوهر يبقى: كيف يمكن لنظام قائم على عقيدة المواجهة المستمرة أن يتنقل في عالم يطالب بالتفاوض والمرونة؟ هذه هي المعضلة الحقيقية التي تكشفها تصريحات كهذه.