مايدوغوري: حين يتحدى الصمت المكسور سردية الاستقرارMaiduguri-When-Broken-Silence-Challenges-Stabilitys-Narrative
لقد ساد صمت مطبق على أطراف مايدوغوري لسنوات، وهو صمت لم يكن دلالة على السلام التام بقدر ما كان دلالة على استقرار هش، تحقق بصعوبة بالغة. ففي قلب ولاية بورنو، التي كانت وما زالت بؤرة الصراع ضد الجماعات المتطرفة في نيجيريا، أصبحت العاصمة مايدوغوري تمثل رمزًا للتعافي والتحصين. لكن هذا الصمت قد تحطم فجأة على وقع الاشتباكات العنيفة الأخيرة. الهجوم الذي شنه مسلحون على ضواحي المدينة، مستهدفين مركزًا عسكريًا، ليس مجرد حادث أمني عابر؛ إنه بمثابة صيحة إنذار تزلزل سردية الحكومة حول السيطرة على الوضع وتدهور قدرات المتمردين. فبعد سنوات من تراجع وتيرة الهجمات الكبيرة في قلب العاصمة، يعيد هذا الهجوم إلى الواجهة أسئلة مقلقة حول فعالية استراتيجيات مكافحة التمرد، وقدرة الجماعات المسلحة على التكيف والتنسيق من جديد لتوجيه ضربات موجعة في عمق المناطق التي يفترض أنها آمنة.
إن التوقيت والموقع المستهدف في هذا الهجوم لهما دلالات عميقة تتجاوز مجرد العمليات العسكرية. إن استهداف مركز عسكري في ضاحية مايدوغوري يشير إلى تحول تكتيكي محتمل أو، على الأقل، إلى قدرة الجماعات المتطرفة على إعادة التجميع والعمل بجرأة جديدة. فمايدوغوري، بوصفها مركزاً حضرياً مكتظاً بالسكان ومركزاً للعمليات العسكرية والسياسية، كانت هدفاً رئيسياً للجماعات المتطرفة في أوج عنفها. نجاح القوات النيجيرية في صد الهجوم ومنع اختراق المدينة يعد إنجازًا تكتيكيًا يُحسب لها، خاصة بالنظر إلى الكثافة المحتملة للقوات المهاجمة. ومع ذلك، فإن مجرد محاولة الهجوم على هذا النطاق وفي هذا الموقع، بعد سنوات من الهدوء النسبي، يطرح تساؤلات جدية حول مدى نجاح استراتيجيات «تقليل القدرات» و«تحييد» هذه الجماعات. هل نشهد عودة لأسلوب الهجوم على المراكز الحضرية الذي كان يميز فصائل معينة، أم أن الأمر يتعلق بـ «نبض» من قبل الجماعات المتطرفة لاختبار جاهزية الدفاعات؟
لتحليل هذا الهجوم، يجب أن نأخذ في الاعتبار الديناميكيات المتشعبة بين الجماعات المتطرفة الفاعلة في المنطقة، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا (ISWAP) والفصائل المتبقية من بوكو حرام. لقد اتسمت استراتيجية ISWAP، في السنوات الأخيرة، بتركيزها على استهداف القواعد العسكرية والمواقع الاستراتيجية في المناطق الريفية، محاولة بذلك إقامة «دولة» بديلة في المناطق المحيطة ببحيرة تشاد. أما الهجمات داخل المدن الكبرى، التي تستهدف المدنيين العزل بشكل أساسي، فقد كانت سمة بارزة لجماعة بوكو حرام بقيادة الراحل أبوبكر شيكاو. السؤال المطروح هو: هل يشير هذا الهجوم الأخير على مايدوغوري إلى عودة لأسلوب العمليات الحضرية، أم أنه امتداد لتكتيك ISWAP الذي يسعى لإضعاف المؤسسة العسكرية؟ إن استهداف مركز عسكري على وجه التحديد قد يرجح كفة ISWAP، التي تسعى لترسيخ صورتها كقوة عسكرية قادرة على مواجهة الجيش النظامي. هذا التطور المقلق يتطلب من الجيش النيجيري إعادة تقييم شاملة للاستخبارات الميدانية. إن القضاء على شيكاو أدى إلى تغييرات في المشهد الأمني، ويبدو أن الجماعات المتطرفة لا تزال تجد طرقًا جديدة للتكيف والمباغتة.
إن تداعيات هذا الهجوم تتجاوز الجانب العسكري لتشمل البعد الإنساني والنفسي. فمايدوغوري تستضيف أعدادًا هائلة من النازحين داخليًا، الذين فروا من العنف في المناطق الريفية. بالنسبة لهؤلاء، تمثل المدينة ملاذًا أخيرًا من الصراع. إن الهجوم على ضواحي مايدوغوري، حتى لو تم صده، يهدد بتقويض شعورهم بالأمان. إنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن العنف لم ينته بعد، وأن الملاذ الآمن قد يتعرض للاختراق في أي لحظة. إن هذا النوع من الهجمات هو شكل من أشكال الحرب النفسية التي تسعى إلى زرع الخوف وإظهار ضعف الدولة، وبالتالي إحباط جهود الإعادة والاستقرار التي تبذلها السلطات. بالنسبة للسكان المحليين والنازحين، فإن الشعور بعدم الأمان في العاصمة يعني أن لا مكان في ولاية بورنو يمكن اعتباره آمنًا تمامًا، مما يعقد الجهود الإنسانية وجهود العودة الطوعية للنازحين إلى مناطقهم الأصلية.
يجب التعامل مع هذا الهجوم كـ «نقطة تحول» بدلاً من مجرد «حدث عابر». إنه اختبار حقيقي لمدى نجاح استراتيجيات الأمن في نيجيريا. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن إحراز تقدم كبير في مكافحة الإرهاب، يذكرنا هذا الهجوم بأن التهديد لا يزال كامنًا وقادراً على التكيف. السؤال ليس فقط عن سبب قدرة المسلحين على الهجوم، بل عن التداعيات على استراتيجية مكافحة التمرد. هل يجب أن تركز القوات على «الحماية» بدلاً من «الاستقرار»؟ إن استراتيجية مكافحة التمرد يجب أن تتجاوز مجرد صد الهجمات التكتيكية إلى معالجة الأسباب الجذرية التي تسمح لهذه الجماعات بالتجنيد والحشد. يجب أن يكون هناك تحليل عميق لثغرات الاستخبارات التي سمحت بهذا الهجوم، وتفعيل آليات حماية أكثر صرامة للمراكز الحضرية. إن استمرار هذا النوع من الهجمات يعني أن الصراع في شمال شرق نيجيريا لم يعد في مرحلة التراجع التام، بل في مرحلة تتسم بالتعقيد المتزايد والتكيف المستمر من قبل الخصم.
في الختام، بينما يستحق الجيش النيجيري الثناء على يقظته وسرعة استجابته لصد هذا الهجوم، يجب أن ينظر إلى هذا الحدث كجرس إنذار قوي. إنه تذكير بأن الصراع في شمال شرق نيجيريا بعيد كل البعد عن النهاية. إن سردية الاستقرار والتعافي تواجه تحديًا خطيرًا، وهذا الهجوم يفرض على الجميع إعادة تقييم شاملة للوضع الأمني. يجب أن يكون الهدف هو منع تكرار مثل هذه الهجمات، ليس فقط عن طريق تعزيز القواعد العسكرية، بل عن طريق تعميق الاستخبارات والتعاون الإقليمي ومعالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي التطرف. إن مستقبل مايدوغوري، كرمز للصمود، يعتمد على مدى سرعة وقدرة القوات على استيعاب هذا الدرس والتكيف معه قبل فوات الأوان.