الشرق الأوسط في الميزان: عندما يصبح الاستنزاف غاية والغموض تكتيكًاThe-Middle-East-in-the-Balance-When-Attrition-Becomes-a-Goal-and-Ambiguity-a-Tactic
لطالما كان الشرق الأوسط مرادفًا للتعقيد، لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا نوعيًا في طبيعة النزاعات الدائرة فيه. لم تعد الحروب تتبع سيناريوهات الماضي المألوفة، حيث تتضح الأهداف العسكرية والسياسية وتُرسم خطوط النصر والهزيمة بوضوح. اليوم، نجد أنفسنا أمام مشهد مختلف تمامًا؛ صراع طويل الأمد يتسم بقدر غير مسبوق من الغموض الاستراتيجي، مصحوبًا باستنزاف منهجي ومتواصل يطال جميع الأطراف. إنها ليست حربًا بالمعنى التقليدي بقدر ما هي حالة وجودية، حيث تتلاشى الحدود الفاصلة بين المواجهة المباشرة والصراع الهيكلي، وتتحول الساحة الإقليمية إلى رمال متحركة يصعب فيها تحديد أي موطئ قدم ثابت أو رؤية واضحة لأفق النهاية. هذا المشهد الرمادي يدفعنا إلى التساؤل عن ماهية هذه الحرب الجديدة، ومن المستفيد من إبقائها في هذه المنطقة الخطرة بين اللاحسم واللاسلم.
الغموض الاستراتيجي هو السمة الأبرز التي تميز الصراعات الراهنة في الشرق الأوسط. على عكس الحروب التي تُشن لتحقيق أهداف محددة مثل السيطرة على إقليم، أو تغيير نظام، أو فرض شروط معينة، تبدو الأجندات الحالية ضبابية ومتغيرة، وأحيانًا متناقضة بين الفاعلين المتعددين. هل تسعى القوى الإقليمية والدولية إلى إحداث تغيير جذري، أم تسعى فقط إلى الحفاظ على توازن قوى معين يخدم مصالحها الضيقة؟ هذا الغموض لا ينبع فقط من تعقيدات السياسة الدولية أو تعدد الأطراف المحلية، بل قد يكون تكتيكًا مقصودًا يسمح بالمرونة والتحرك في بيئة متقلبة، ويمنع أي طرف من تحقيق انتصار حاسم يمكن أن يخل بموازين القوى القائمة. لكن الثمن باهظ؛ فغياب الأهداف الواضحة يترجم إلى استمرار لا نهاية له للاضطرابات، ويعوق أي جهود جادة نحو المصالحة أو الحلول السياسية المستدامة، مما يحول المنطقة إلى ساحة دائمة للصراع المفتوح على كل الاحتمالات.
في قلب هذا الغموض، يكمن مفهوم الاستنزاف المتبادل، الذي أصبح بمثابة العمود الفقري لهذه المواجهة. لم يعد الأمر مقتصرًا على الاستنزاف العسكري التقليدي الذي يهدف إلى إضعاف قدرات العدو؛ بل امتد ليطال كل جوانب الحياة. على المستوى السياسي، نشهد استنزافًا للشرعيات، وتآكلًا للمؤسسات، وفقدانًا للثقة بين الحكومات وشعوبها، مما يؤدي إلى دوامات من الاحتجاجات والاضطرابات الداخلية. عسكريًا، تستمر الجيوش والقوى المسلحة في استهلاك الموارد البشرية والمالية في صراعات لا تؤدي إلى حسم، بل تزيد من تفكك المجتمعات وتعمق الانقسامات. ماليًا واقتصاديًا، تستنزف الثروات الوطنية، وتنهار البنى التحتية، وتتعطل عجلة التنمية، مما يدفع بملايين البشر نحو الفقر واليأس. هذا الاستنزاف الشامل يخدم هدفًا واحدًا: إبقاء الجميع في حالة ضعف مستمر، غير قادرين على فرض إرادتهم بشكل كامل، وغير قادرين في الوقت نفسه على الانسحاب دون خسارة.
من وجهة نظري، هذا الوضع ليس مجرد نتيجة عرضية لتعقيدات الشرق الأوسط، بل قد يكون في جوهره استراتيجية ضمنية، أو حتى غير معلنة، تخدم مصالح أطراف معينة، سواء إقليمية أو دولية. ففي بيئة الاستنزاف والغموض، تصبح القوى الأكبر والأكثر قدرة على تحمل الخسائر هي المستفيد الأكبر، حيث تستمر في ممارسة نفوذها وتأثيرها على حساب القوى الأضعف التي تُستنزف حتى النخاع. إنها طريقة لفرض نوع من “السيطرة بالفوضى”، حيث يتم منع أي طرف من الظهور كقوة مهيمنة بشكل مطلق، مع الحفاظ على درجة من عدم الاستقرار تسمح بالتدخل والتحكم في مسارات الأحداث. هذا النموذج لا يولد فقط بيئة خصبة للجماعات المتطرفة، بل يفكك أيضًا الروابط الاجتماعية والثقافية، ويحول الأوطان إلى مساحات لمشاريع خارجية، في ظل غياب رؤية داخلية موحدة للمستقبل. إنها حلقة مفرغة تغذي ذاتها، وكل محاولة للخروج منها تبدو وكأنها تغرق في مستنقع أعمق.
في خضم هذا الصراع الوجودي، تتجلى الكلفة الإنسانية بشكل مأساوي. ملايين اللاجئين والنازحين، أجيال حرمت من التعليم والصحة، مجتمعات مزقت نسيجها الاجتماعي، وحروب أهلية لا تنتهي. إن هذا الاستنزاف والغموض يمثلان تهديدًا وجوديًا لمستقبل المنطقة وشعوبها، ويدفعان بها نحو حافة الهاوية. لكسر هذه الدائرة المفرغة، يتطلب الأمر تحولًا جذريًا في الفكر الاستراتيجي لجميع الأطراف. يجب أن تتجاوز الدول الإقليمية والدولية على حد سواء الرغبة في “الانتصار” بالمعنى التقليدي، وأن تتبنى بدلاً من ذلك رؤية تسعى إلى الاستقرار المستدام، حتى لو كان غير كامل. يتطلب ذلك حوارًا إقليميًا صادقًا مبنيًا على الاعتراف بالمصالح المشروعة للجميع، وتحديد أهداف واضحة وملموسة للسلام والتنمية. فالمستقبل الحقيقي للشرق الأوسط لا يمكن أن يُبنى على ركام الاستنزاف والغموض، بل على أسس من الشفافية، والتعاون، واحترام سيادة الدول، وصون كرامة الإنسان، قبل أن تتحول المنطقة بأكملها إلى مجرد رمز لاستنزاف لا طائل من ورائه.