خارطة الطريق الجديدة لـ 'الأنشطة المزعجة': كيف سيُعيد قرار بركة تشكيل المشهد الصناعي والتنظيمي بالمغرب؟The-New-Roadmap-for-Nuisance-Activities-How-Baraka's-decision-will-reshape-the-industrial-and-regulatory-landscape-in-Morocco?

The-New-Roadmap-for-Nuisance-Activities-How-Baraka's-decision-will-reshape-the-industrial-and-regulatory-landscape-in-Morocco?


في خضم السعي المتواصل للمملكة نحو ترشيد الإدارة وتبسيط المساطر، جاء القرار الأخير لوزير التجهيز والماء، نزار بركة، ليضع حداً للفوضى التنظيمية المحيطة بإنشاء واستغلال المؤسسات المصنفة ضمن الفئة الأكثر حساسية: تلك التي تُصنف على أنها 'مضرة أو مزعجة أو خطيرة'. هذا القرار، الذي جرى إصداره مؤخراً ونشره في الجريدة الرسمية، لا يمثل مجرد تحديث إداري روتيني، بل هو بمثابة إعادة هندسة شاملة لمنظومة التراخيص التي كانت تشوبها الكثير من الثغرات والغموض. إن تحديد لائحة موحدة وواضحة للوثائق المطلوبة لطلب الترخيص، خاصة للمؤسسات التي تندرج تحت القسم الأول من التصنيف، يمثل خطوة جريئة نحو الشفافية والكفاءة، ويؤكد على أن الحكومة تدرك تماماً ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها لضمان التوازن الدقيق بين التنمية الاقتصادية وحماية المجال العام والبيئة وصحة المواطنين.

لطالما كانت عملية ترخيص المصانع والمنشآت ذات التأثير البيئي أو السلامي المرتفع (كالصناعات الكيماوية، وحدات معالجة النفايات، أو حتى بعض الورشات الصناعية الثقيلة) مصدراً للتعقيد والاجتهاد الإداري. هذه المؤسسات، بحكم طبيعتها، تتطلب تدقيقاً مضاعفاً ليس فقط في مرحلة الإنشاء، بل طوال دورة حياتها التشغيلية. القرار الجديد، الذي يحمل رقم 1146.25 وصادر في مايو 2025، يهدف بوضوح إلى سد الباب أمام أي محاولات للالتفاف أو تقديم ملفات ناقصة تؤدي لاحقاً إلى نزاعات بيئية أو صحية مستعصية. عندما يتم توحيد المتطلبات الوثائقية وإلزام المتقدمين بتقديم حزمة متكاملة وشاملة تثبت جاهزيتهم التكنولوجية والبيئية، فإننا ننتقل من ثقافة 'الترخيص المعطل' إلى ثقافة 'المطابقة الاستباقية'. هذا التحول ضروري لتعزيز الثقة بين المستثمر والدولة، ويضمن أن كل وحدة صناعية جديدة تبدأ عملها وهي تحمل شهادة ميلاد تنظيمية سليمة من اليوم الأول.

من وجهة نظري كمتتبع للشأن الاقتصادي والتنظيمي، أرى أن التأثير الأعمق لهذا القرار سيظهر في مجال حوكمة المجال العام. المؤسسات الخطرة تؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة في محيطها، سواء من حيث التلوث الضوضائي، أو الانبعاثات الهوائية، أو حتى مخاطر الحوادث الكبرى. التنظيم الجديد يفترض أن الملفات المقدمة يجب أن تشتمل على دراسات تقنية مفصلة (مثل دراسات تقييم الأثر البيئي والاجتماعي – ESIA) تكون مدققة ومعتمدة من جهات مختصة ومحايدة. هذا يضع ضغطاً إيجابياً على المؤسسات الاستشارية الهندسية والبيئية لرفع مستوى جودة تقاريرها، وفي المقابل، يمنح السلطات المحلية والمركزية الأدوات القانونية اللازمة لرفض أي مشروع يفتقر إلى ضمانات صارمة ضد المخاطر المحتملة. هذا ليس فقط تنظيم للاقتصاد، بل هو حماية اجتماعية غير مباشرة للمواطنين الذين يعيشون بالقرب من التجمعات الصناعية.

لكن، التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار القرار بحد ذاته، بل في فعالية تطبيقه ورصد مدى التزام الإدارات المحلية بتطبيق معاييره بدقة متناهية. غالباً ما يبرز التباين بين النصوص القانونية المنشورة في الجريدة الرسمية وبين واقع التطبيق الميداني. إن نجاح هذا الإطار التنظيمي الجديد مرهون بقدرة وزارة التجهيز والماء، بالتنسيق مع السلطات المحلية والمصالح الخارجية، على إنشاء نظام رقابي صارم يضمن أن الوثائق المقدمة ليست مجرد 'أوراق رسمية' بل هي انعكاس لواقع تقني سليم. يجب أن تكون هناك مسطرة واضحة للمتابعة الدورية، وإجراءات حاسمة وفورية لسحب التراخيص في حال اكتشاف تلاعب في البيانات أو عدم التقيد بمعايير التشغيل المتفق عليها. إذا تم تفعيل نظام الرقابة بفعالية، فإن القرار سيصبح درعاً واقياً، وليس مجرد حبر على ورق.

في الختام، يمثل هذا القرار التنظيمي بمثابة 'إعلان تحديث البنية التحتية الناعمة' للمغرب الصناعي. هو اعتراف بأن النمو الاقتصادي المستدام لا يمكن أن يتحقق عبر التراخيص السهلة للمشاريع الخطرة، بل عبر إرساء أسس متينة من المسؤولية والاحترافية. بتحديد الوثائق المطلوبة بدقة للمؤسسات من الفئة الأولى، تفتح وزارة بركة الباب أمام بيئة استثمارية أكثر نضجاً، حيث يُقيّم المستثمر بناءً على قدرته على إدارة المخاطر والالتزام بالمعايير الدولية للسلامة والبيئة، وليس فقط على حجم رأسماله. هذا هو الاتجاه الصحيح لضمان أن تكون التنمية الصناعية في المغرب نمواً مسؤولاً ومستداماً، يخدم الاقتصاد دون أن يأتي على حساب صحة المواطن أو سلامة البيئة.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url