لبنان تحت مقصلة النار: هل أصبحت الهدنة مجرد غطاء لأكبر تصعيد عسكري في القرن؟Lebanon-Under-The-Fire-Guillotine-Is-The-Truce-A-Cover-For-The-Centurys-Biggest-Military-Escalation
في لحظة زمنية فارقة، استيقظ العالم على مشهد جنائزي مهيب يلف بلاد الأرز، حيث تحولت السماء التي كانت ترقب بصيص أمل من الدبلوماسية الدولية إلى جحيم مستعر من الحديد والنار. إن ما يشهده لبنان اليوم ليس مجرد جولة أخرى من الصراع المعتاد، بل هو زلزال عسكري غير مسبوق في حدته واتساعه الجغرافي. فبينما كانت كواليس السياسة الدولية تهمس بأنباء عن تهدئة مؤقتة أو هدنة خفية ترعاها القوى العظمى، جاء الرد الميداني ليمسح هذه الأوهام بضربات جوية مكثفة لم تترك شبراً في الجنوب أو البقاع أو حتى جبل لبنان إلا وأذاقته مرارة الموت. هذا التناقض الصارخ بين الوعود السياسية والواقع الدامي يضعنا أمام تساؤل جوهري حول مصداقية المجتمع الدولي، ويشير بوضوح إلى أن لبنان بات الساحة المفضلة لتصفية الحسابات الإقليمية الكبرى، حيث تُكتب الرسائل السياسية بدماء المدنيين وأشلاء الأطفال الذين سقطوا بالمئات في غضون ساعات قليلة، في مشهد يذكرنا بأحلك فصول الحروب المعاصرة التي لا تعترف بخطوط حمراء ولا بقدسية الأرواح.
بالنظر إلى التوقيت الذي اختاره الجيش الإسرائيلي لتنفيذ ما وصفه بأضخم عملية عسكرية منذ بدء المواجهات، نجد أنفسنا أمام استراتيجية تعتمد على عنصر المفاجأة القصوى والضغط الناري الهائل لفرض واقع جديد على الأرض. إن الإعلان عن هذه الهجمات الواسعة بعد ساعات فقط من تداول أنباء حول هدنة أمريكية إيرانية يشي بأن هناك سباقاً محمومًا مع الزمن؛ فإما أن العملية تهدف إلى تقويض أي تقارب محتمل قد يغل يد الآلة العسكرية، أو أنها تمثل محاولة يائسة لتحصيل أكبر قدر من المكاسب الميدانية قبل أن يدخل أي اتفاق سياسي حيز التنفيذ. من وجهة نظري التحليلية، يبدو أن قواعد الاشتباك القديمة قد سقطت تماماً، وحل مكانها مبدأ "الأرض المحروقة" الذي لا يميز بين هدف عسكري ومنطقة سكنية. هذه الغارات التي طالت عمق جبل لبنان والمناطق التي كانت تعتبر نسبياً بعيدة عن خطوط النار المباشرة، تعكس رغبة في شل أركان الدولة اللبنانية برمتها ووضع الحاضنة الشعبية للمقاومة تحت ضغط نفسي ومادي لا يطاق، مما يفاقم من حدة الأزمة الإنسانية في بلد يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، يمثل هذا التصعيد الجنوني اختباراً قاسياً لكافة القوى الفاعلة في المنطقة. فإيران، التي تجد نفسها في موقف حرج بين الالتزام ببروتوكولات التهدئة المزعومة وبين حماية حلفائها، تواجه تحدياً وجودياً لنفوذها الإقليمي. أما الولايات المتحدة، فتظهر مرة أخرى بمظهر العاجز عن كبح جماح حليفتها، أو ربما المتواطئ الذي يمنح الضوء الأخضر خلف الستار لإنهاء ملفات عالقة بقوة السلاح. إن لبنان اليوم يدفع ثمن جغرافيا سياسية لم يختَرها، حيث تحولت تضاريسه الجميلة إلى مسرح لاختبار أحدث تكنولوجيا القتل والدمار. إن وصول الغارات إلى مناطق نفوذ متنوعة طائفياً وسياسياً يهدف بوضوح إلى ضرب النسيج الاجتماعي اللبناني وإثارة الفتنة الداخلية عبر تحميل فئة بعينها مسؤولية هذا الدمار، وهي استراتيجية كلاسيكية في الحروب النفسية تهدف إلى تفجير المجتمع من الداخل بعد فشل القوة العسكرية في تحقيق حسم سريع وناجز.
أما من الناحية الإنسانية، فإن الأرقام القادمة من المستشفيات المكتظة في صيدا وصور وبيروت تتجاوز قدرة العقل البشري على الاستيعاب. مئات القتلى وآلاف الجرحى في ساعات معدودة تعني أننا بصدد مجزرة مفتوحة تجري على الهواء مباشرة أمام صمت عالمي مريب. لم تعد المشكلة تكمن في نقص الدواء أو العتاد الطبي فحسب، بل في الانهيار النفسي لمجتمع بات يشعر أنه متروك لمصيره المحتوم. النزوح الجماعي من الجنوب باتجاه المناطق الأكثر أمناً يعيد إلى الأذهان ذكريات النكبات المتتالية، لكن هذه المرة يبدو أن الأفق مسدود تماماً أمام أي حلول قريبة. إن التحليل المنطقي لهذا المشهد يشير إلى أن الهدف من تحويل لبنان إلى "جحيم" هو انتزاع استسلام سياسي لم تنجح الدبلوماسية في تحقيقه، وهو رهان محفوف بالمخاطر؛ فالتاريخ أثبت دائماً أن الدمار الهائل يولد موجات من الكراهية والمقاومة التي تتجاوز في شدتها الصواريخ التي أطلقتها، مما ينذر بجولات مستقبلية أكثر دموية وعنفاً.
ختاماً، يمكن القول إن ما يحدث في لبنان اليوم هو صرخة في وجه الضمير الإنساني الذي يبدو أنه دخل في غيبوبة طويلة. إن تحول الهدنة المفترضة إلى بركان من الغارات هو دليل قاطع على أن المنطقة تعيش في حالة من الغابة السياسية حيث البقاء للأقوى عسكرياً لا للأعدل منطقاً. لبنان، هذا الوطن الجميل والمكلوم، يجد نفسه اليوم وحيداً تحت وطأة النيران، يواجه مصيره بصدور عارية وإرادة منهكة. إن المطلوب اليوم ليس بيانات تنديد خجولة أو دعوات لضبط النفس، بل حراك دولي حقيقي يوقف نزيف الدم الفوري ويضع حداً لهذه السادية العسكرية التي تستهدف المدنيين العزل. إذا لم يتحرك العالم الآن، فإن الحريق اللبناني لن يظل محصوراً داخل حدوده، بل سيمتد ليلتهم ما تبقى من استقرار هش في الشرق الأوسط برمته. فهل يدرك صناع القرار أن السلام لا يُبنى فوق جثث الأبرياء، وأن الجحيم الذي يُصنع اليوم في لبنان قد تكتوي بناره عواصم كثيرة غداً؟