صرخة الخبرة الضائعة: دكاترة الفلاحة يطرقون باب الوسيطWasted-Agri-Expertise-AgriDoctors-Seek-Intermediary
في صميم كل أمة، يكمن نبض قوتها الاقتصادية وحاضرها ومستقبلها في قطاعاتها الحيوية، وأحد أهم هذه القطاعات في بلد مثل المغرب هو الفلاحة. قطاع يتطلب رؤى استراتيجية، ابتكارًا مستمرًا، وعمقًا معرفيًا لا يتأتى إلا بالبحث العلمي والتأهيل الأكاديمي الرفيع. هنا بالضبط يبرز دور حملة شهادة الدكتوراه، الذين قضوا سنوات طويلة في الدراسة المتعمقة، لإثراء هذا المجال الحيوي. لكن الغريب والمثير للقلق هو أن نسمع عن هؤلاء الأدمغة، هؤلاء المتخصصين الذين يفترض أن يكونوا قادة التغيير والابتكار في القطاع الزراعي، وهم يلجأون إلى جهات خارجية، تحديدًا مؤسسة الوساطة الوطنية، في مسعى يائس لمعالجة قضايا تتعلق بوضعهم الوظيفي. هذه الخطوة، في جوهرها، ليست مجرد نداء فردي أو جماعي، بل هي مؤشر صارخ على وجود خلل عميق في كيفية إدارة وتوظيف الكفاءات العليا داخل هذا القطاع المحوري، وتدعونا للتوقف والتأمل في الأسباب والدلالات وراء هذا اللجوء إلى حلول غير تقليدية لمعالجة مشاكل يفترض أن تحل داخليًا.
إن ما يطالب به هؤلاء الدكاترة، وهو "تسوية الوضعية المهنية"، ليس مجرد مطلب إداري بسيط، بل هو انعكاس لمعاناة أعمق تتمثل في عدم الاعتراف الكامل بقيمتهم العلمية والمهنية، وعدم توفير مسارات وظيفية واضحة تتناسب مع حجم تأهيلهم الأكاديمي. فهل يعقل أن يكون لدينا خبراء وباحثون مؤهلون على أعلى المستويات في مجالات حساسة كالأمن الغذائي، إدارة المياه، وتنمية الأرياف، ولا يجدون مكانًا لتوظيف قدراتهم بشكل كامل وفعال؟ هذا الوضع قد يشمل نقصًا في الدرجات الوظيفية المناسبة، أو عدم المساواة في الأجور والمزايا مقارنة بزملائهم في قطاعات أخرى، أو حتى تهميش دورهم في صنع القرار ورسم السياسات الفلاحية. إن الإحساس بعدم التقدير يمكن أن يولد إحباطًا عميقًا، ويقوض الدافعية، ويؤدي إلى هجرة الأدمغة، وهو ما لا تتحمله أي دولة تسعى للتطور والازدهار. هذه "الحقوق المشروعة" التي يطالبون بها، هي في الواقع استثمار في مستقبل الفلاحة الوطنية، فكلما شعر الأكاديمي بالتقدير والاستقرار، كلما زاد عطاؤه وإبداعه.
قرار اللجوء إلى مؤسسة الوساطة الملكية، يمثل علامة فارقة في تصعيد هذا الملف. إن هذه المؤسسة، بتفويضها الملكي ودورها الحيادي في التوسط بين الإدارة والمواطنين، تعد الملاذ الأخير للعديد من الفئات التي تستنفد سبل الحلول الداخلية. اختيار دكاترة الفلاحة لهذا المسار، ليس فقط دليلًا على يأسهم من استجابة الجهات المعنية داخل الوزارة الوصية، بل هو أيضًا إشارة قوية على إيمانهم بالدور الحيادي والفعال للوسيط في إيصال صوتهم وإنصافهم. إن تدخل هذه الهيئة المرموقة يمكن أن يضفي بعدًا جديدًا على القضية، ليس فقط من حيث الضغط على الوزارة للنظر في مطالبهم بجدية، بل وأيضًا من حيث وضع القضية في واجهة الاهتمام الوطني، وتسليط الضوء على ضرورة معالجة أوضاع الكفاءات الوطنية بشكل عام. هذه الخطوة قد لا تضمن حلًا فوريًا، لكنها بالتأكيد تضع الكرة في ملعب أعلى، وتجعل التغافل عن هذا الملف أمرًا أكثر صعوبة.
من وجهة نظري، يمثل هذا الموقف المفارقة الكبرى والتحدي الجوهري. فالمغرب يستثمر بشكل كبير في تعليم وتأهيل الكوادر البشرية، وخاصة في قطاع حيوي كالفلاحة الذي يشكل رافعة اقتصادية واجتماعية كبرى. أن نرى حملة الدكتوراه، وهم نخبة البحث العلمي والتطوير، يواجهون تحديات في تسوية أوضاعهم المهنية، لهو هدر صريح للموارد البشرية والمالية. تخيلوا حجم الابتكار، البحث التطبيقي، والتوصيات السياساتية التي يمكن أن يقدمها هؤلاء لو تم استيعابهم وتوظيفهم بشكل كامل. هذا النقص في الاستفادة من خبراتهم لا يؤثر فقط على مسارهم المهني، بل يؤثر بشكل مباشر على قدرة القطاع الفلاحي على مواكبة التحديات العالمية، مثل التغيرات المناخية، ندرة المياه، ومتطلبات الأمن الغذائي المتزايدة. إن تجاهل هذه الكفاءات، أو وضعها في غير موضعها الصحيح، هو بمثابة تفكيك لجزء أساسي من محركات التنمية المستدامة، ويهدد بحدوث هجرة للأدمغة نحو قطاعات أخرى أو حتى خارج الوطن، ما يحرم البلاد من استثماراتها وجهودها الطويلة في بناء هذه الخبرات.
في الختام، إن صرخة دكاترة الفلاحة ليست مجرد شكوى إدارية، بل هي دعوة إلى التفكير الاستراتيجي العميق حول كيفية إدارة الكفاءات الوطنية واستثمارها الأمثل. يتوجب على وزارة الفلاحة، بالتعاون مع مؤسسة الوساطة الملكية وجميع الأطراف المعنية، النظر إلى هذا الملف بأقصى درجات الجدية والاستعجال. يجب أن تتجاوز الحلول المقترحة مجرد تسوية إدارية سطحية، لتشمل إطارًا شاملًا لتقدير الكفاءات، وتوفير مسارات وظيفية واضحة، وخلق بيئة عمل محفزة تشجع على البحث والابتكار والمساهمة الفاعلة في بناء الوطن. إن الإنصاف لا يقتصر على منح الحقوق، بل يمتد إلى توفير الفرص، وبناء الثقة، والاستفادة القصوى من الطاقات البشرية. مستقبل الفلاحة في المغرب يعتمد بشكل كبير على قدرتنا على رعاية واستثمار هذه العقول النيرة، وجعلهم جزءًا لا يتجزأ من مسيرة التنمية الشاملة والمستدامة التي يطمح إليها الجميع.