بين زيف المنصات وواقع الميدان: قراءة في إشاعة فيروس هانتا وإغلاق حدود مليليةBetween-the-deception-of-platforms-and-the-reality-of-the-field-a-reading-of-the-hantavirus-rumor-and-the-closure-of-the-melilla-borders
في عصرٍ باتت فيه المعلومة تنتقل بسرعة الضوء عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لم يعد التحدي يكمن في الوصول إلى الخبر، بل في القدرة على تمييز الغث من السمين وسط سيلٍ جارف من الإشاعات الممنهجة. لعل الواقعة الأخيرة التي شهدتها مدينة مليلية المحتلة بخصوص مزاعم إغلاق معبر بني أنصار الحدودي بسبب ظهور حالات إصابة بفيروس "هانتا"، تمثل نموذجاً صارخاً لكيفية صناعة الذعر الرقمي وتوظيفه لزعزعة الاستقرار النفسي والاجتماعي في المناطق الحدودية الحساسة. إن الخبر الذي انتشر كالنار في الهشيم لم يكن مجرد هفوة إخبارية أو خطأ غير مقصود، بل بدا وكأنه حملة منظمة استخدمت تقنيات التزييف عبر انتحال صفات منابر إعلامية وازنة، مما يوحي بوجود نية مبيتة لإرباك حركة المرور وإثارة القلق بين المواطنين الذين ترتبط حياتهم اليومية والاقتصادية بشكل وثيق بهذا الشريان الحدودي. هذا النوع من الأخبار الزائفة يستغل المخاوف الصحية المتراكمة لدى الشعوب، خاصة بعد تجربة الجائحة العالمية، ليمرر أجندات تهدف إلى خلق حالة من عدم اليقين في العلاقات الثنائية والوضع الميداني على الحدود، وهو ما يستوجب قراءة متأنية في أبعاد هذه الظاهرة التي باتت تهدد السلم الرقمي والواقعي على حد سواء.
إن اختيار معبر بني أنصار تحديداً كمسرح لهذه الإشاعة لم يكن عشوائياً، فهذا المعبر يمثل القلب النابض للحياة الاقتصادية والاجتماعية بين مليلية والمحيط المغربي، وأي حديث عن إغلاقه يعني شللاً في مصالح آلاف العائلات والتجار. من وجهة نظري التحليلية، فإن مروجي هذه الأكاذيب يدركون تماماً الحساسية الجيوسياسية لهذه المنطقة، لذا فإن زج اسم فيروس مثل "هانتا" -وهو فيروس نادر وغامض بالنسبة للكثيرين- يضيف صبغة من الرعب البيولوجي الذي يصعب تفنيده فوراً من قبل غير المختصين. إن التلاعب بالمشاعر العامة عبر بوابة "الصحة العامة" هو تكتيك قديم بآليات حديثة، حيث يُستغل الفراغ المعلوماتي اللحظي ليتم حشوه بأكاذيب مغلفة بشعارات رسمية مزيفة. ولعل رد فعل مندوبية الحكومة الإسبانية في مليلية السريع والحاسم كان ضرورياً لقطع الطريق أمام هذا التدهور المعلوماتي، حيث أوضحت أن المعبر يعمل بكامل طاقته وبشكل طبيعي، مشددة على أن الحالة الصحية في المدينة مستقرة ولا وجود لأي تهديد وبائي من هذا النوع، وهو تصريح يهدف بالأساس إلى إعادة الثقة المفقودة التي حاول مروجو الإشاعات النيل منها عبر منصاتهم المجهولة.
بالتعمق في طبيعة المحتوى الذي تم تداوله، نجد أننا أمام ظاهرة "الصحافة الضلّيلة" التي تعتمد على تصميمات بصرية تشبه إلى حد كبير المواقع الإخبارية الموثوقة، وهو ما يسقط المستخدم البسيط في فخ التصديق والمشاركة. إن فيروس "هانتا"، الذي نُسجت حوله هذه الأسطورة، غالباً ما ينتقل عبر القوارض ولا يشكل عادة خطراً وبائياً عابراً للحدود بالشكل الذي صوره المروجون، مما يؤكد أن الهدف لم يكن التحذير الصحي بل كان التخريب الإداري والسياسي. التحليل الموضوعي يشير إلى أن مثل هذه الإشاعات قد تكون تقف خلفها جهات ترغب في اختبار ردود أفعال السلطات، أو ربما تسعى للتأثير على تدفقات السلع والأفراد في فترات ذروة معينة. إن خطورة الأمر تكمن في أن الإشاعة تسبق دائماً التكذيب بمسافات طويلة، وبينما كانت المندوبية تصيغ بيانها الرسمي، كان القلق قد تغلغل بالفعل في نفوس الكثيرين، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول دور الرقابة الرقمية ومسؤولية المنصات الاجتماعية في كبح جماح الحسابات الوهمية التي تمتهن صناعة الأزمات الوهمية من أجل حصد المشاهدات أو تحقيق مآرب خفية.
من جانب آخر، تعكس هذه الحادثة الحاجة الملحة لتطوير استراتيجيات تواصلية رسمية أكثر مرونة واستباقية بين الجانبين المغربي والإسباني، لمواجهة مثل هذه التحديات المشتركة. فعندما يتعلق الأمر بالحدود والمنافذ الدولية، تصبح الشفافية هي السلاح الوحيد الفعال ضد التضليل. إن القوة التي أظهرتها السلطات في مليلية بتكذيب الخبر بشكل قاطع وفوري ساهمت في وأد الفتنة في مهدها، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن هشاشة الوعي الرقمي لدى شريحة واسعة من المتلقين الذين ينساقون وراء العناوين البراقة دون فحص المصدر. يظهر هذا الموقف أن الأمن الحدودي لم يعد يقتصر على المراقبة المادية والأسوار، بل امتد ليشمل الأمن المعلوماتي والسيادة على الرواية الرسمية. فالقدرة على حماية الجمهور من "الفيروسات المعلوماتية" لا تقل أهمية عن حمايتهم من الفيروسات العضوية، خاصة في بيئة مشحونة بالتحديات مثل منطقة الثغور، حيث يمكن لخبر زائف واحد أن يتسبب في خسائر اقتصادية واجتماعية لا يستهان بها في ساعات قليلة.
ختاماً، تبقى واقعة تكذيب شائعات إغلاق حدود مليلية بسبب فيروس "هانتا" درساً بليغاً في كيفية التعامل مع الأزمات الرقمية المفتعلة. إنها دعوة صريحة لكل مستخدم للإنترنت ليكون هو خط الدفاع الأول عبر التثبت والتحقق قبل تبني أي رواية مجهولة المصدر. وفي وجهة نظري الختامية، أرى أن المستقبل يتطلب ميثاقاً جديداً للتعامل مع الأخبار المتعلقة بالحدود والصحة العامة، بحيث يتم تجريم هذه الأفعال دولياً وتتبع مصادرها التقنية، لأن العبث بمصائر الشعوب واستقرارها خلف شاشات الحواسيب ليس حرية تعبير بل هو عدوان صريح. إن مليلية والمدن المجاورة لها تحتاج إلى بناء جسور من الثقة المعلوماتية توازي الجسور المادية، لضمان عدم تكرار مثل هذه السيناريوهات التي تستهدف الإنسان في أمنه ولقمة عيشه. فلنكن أكثر وعياً وحذراً، ولنتذكر دائماً أن الحقيقة قد تتأخر لكنها تظل الصخرة التي تتحطم عليها أمواج الزيف مهما بلغت قوتها، وأن معبر بني أنصار سيظل رمزاً للتواصل الإنساني والتبادل الثقافي بعيداً عن أوهام الأوبئة المفتعلة.