بين وعود الحريّة ومطرقة العدالة: هل تنجح واشنطن في كسر القيد الكوبي بـ «مسارها الجديد»؟Between-promises-of-freedom-and-the-hammer-of-justice-will-Washington-succeed-in-breaking-the-Cuban-shackle-with-its-new-path



تناولت الساحة الدولية مؤخراً منعطفاً دراماتيكياً جديداً في مسار العلاقات التاريخية المعقدة والمليئة بالتوترات بين الولايات المتحدة وجارتها الجزيرة الكوبية القابعة في البحر الكاريبي. جاء هذا المنعطف اللافت بصوت وزير الخارجية الأمريكي الجديد، ماركو روبيو، الذي اختار أسلوباً غير تقليدي ومحسوباً بدقة عبر مخاطبة الشعب الكوبي مباشرة بلغتهم الأم، الإسبانية، واعداً إياهم بـ «مسار جديد» يهدف إلى تجاوز عقود طويلة من الجمود الدبلوماسي والعداء الرمزي المستمر منذ ذروة الحرب الباردة. لم تكن هذه الكلمة المتلفزة مجرد تصريح ديبلوماسي عابر أو بروتوكول معتاد، بل كانت بمثابة إعلان حرب ناعمة وهجوم مباشر غير مسبوق على النخبة الحاكمة في هافانا، حيث ركز روبيو – الذي ينحدر هو نفسه من أصول كوبية مهاجرة – على تفكيك شرعية النظام الشيوعي القائم عبر اتهامه المباشر بالفساد المالي المستشري وسرقة مقدرات البلاد وثرواتها، ناهيك عن ممارسات القمع المنهجي والاعتقالات التعسفية التي تخنق تطلعات الأجيال الشابة الحالمة بالانفتاح. هذا الأسلوب التصادمي المباشر يحمل في طياته دلالات عميقة حول رغبة الإدارة الأمريكية الحالية في إعادة صياغة قواعد اللعبة الجيوسياسية في المنطقة، مستغلة التدهور الاقتصادي الحاد الذي تعيشه الجزيرة وسخط الشارع المتنامي ضد الإخفاقات الحكومية المتراكمة التي جعلت من تأمين أبسط مقومات الحياة اليومية صراعاً مريراً ويومياً للمواطن الكوبي البسيط.

لم يأتِ توقيت هذا الخطاب الحماسي والموجه بعناية من قبيل الصدفة السياسية، بل تم التخطيط له بدقة فائقة ليتزامن مع ضربة قانونية وسياسية كبرى وجهتها وزارة العدل الأمريكية للنظام الكوبي، والمتمثلة في الإعلان الوشيك عن توجيه لائحة اتهام جنائية رسمية ضد الرمز التاريخي المتبقي للثورة الكوبية، الرئيس السابق راؤول كاسترو. إن هذه الخطوة الجريئة وغير المسبوقة تمثل تحولاً جوهرياً ومحورياً في الاستراتيجية الأمريكية؛ حيث انتقلت واشنطن من سياسة فرض العقوبات الاقتصادية الشاملة التي تضر عامة الشعب، إلى سياسة استهداف الرؤوس القيادية للنظام بشكل مباشر وقانوني وأخلاقي أمام المجتمع الدولي والشعب الكوبي على حد سواء. من خلال ملاحقة كاسترو جنائياً بتهم تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان وأنشطة غير مشروعة، تسعى واشنطن إلى نزع الشرعية التاريخية والثورية التي طالما تذرع بها النظام في هافانا لتبرير قبضته الأمنية الحديدية طوال عقود. إن ربط الخطاب السياسي الموجه للشعب بالتحرك القضائي ضد رأس النظام يهدف بالدرجة الأولى إلى إرسال رسالة واضحة وجلية مفادها أن العقبة الأساسية والوحيدة أمام ازدهار كوبا وانضمامها للمجتمع الدولي ليست الحصار الاقتصادي الأمريكي كما يدعي الخطاب الرسمي للنظام بانتظام، بل هي زمرة الحكم الفاسدة التي استنزفت مقدرات البلاد لمصالحها الضيقة بينما يغرق المواطنون في العوز والظلام بسبب تهاوي البنية التحتية.

بالنظر إلى تفاصيل هذا «المسار الجديد» المقترح من قبل واشنطن وتحليل أبعاده الواقعية، يجد المتابع للشأن اللاتيني نفسه أمام تساؤلات جوهرية وملحة حول مدى صدقية هذا الوعد وإمكانية تطبيقه على أرض الواقع الكوبي المعقد. تاريخياً، سعت الولايات المتحدة مراراً وتكراراً إلى إحداث تغيير جذري أو ناعم في كوبا عبر استراتيجيات تراوحت بين الضغط الاقتصادي القصوى والحصار الصارم في عهود الإدارات المحافظة، ومحاولات التقارب الدبلوماسي الحذر وفتح قنوات الاتصال التي قادها باراك أوباما في أواخر فترته الرئاسية. ويبدو أن مقاربة ماركو روبيو الحالية تحاول دمج هذين الأسلوبين بطريقة ذكية؛ فهي تستخدم العصا الغليظة المتمثلة في الملاحقة القضائية للرموز التاريخية والعقوبات المستهدفة، بينما تلوح في الوقت نفسه بجزرة الازدهار والتعاون الاقتصادي المباشر مع الشعب الكوبي كبديل مشروط بسقوط أو تغيير السلوك السياسي للنظام. ومع ذلك، فإن إغراء الكوبيين بوعود الديمقراطية والازدهار قد يصطدم بجدار الواقع الصلب والمخاوف الأمنية؛ فالنظام في هافانا، رغم ضعفه الاقتصادي الشديد وشيخوخته الإيديولوجية، لا يزال يمتلك أجهزة استخباراتية وأمنية بالغة القسوة والفعالية، مدربة ومستعدة لإحباط أي تحرك شعبي مستلهم من الخارج أو مدفوع بالوعود الأمريكية، مما يطرح شكوكاً حول قدرة هذا الخطاب وحده على تحريك الشارع دون آليات دعم حقيقية على الأرض.

من منظور جيوسياسي أوسع وأكثر شمولاً، لا يمكن فصل هذا التصعيد الأمريكي المتجدد ضد كوبا عن الصراع الدولي المحتدم والشرس على النفوذ في نصف الكرة الغربي. لطالما شكلت كوبا، بموقعها الاستراتيجي الفريد القريب من الشواطئ الأمريكية، حليفاً حيوياً وموطئ قدم متقدم للقوى الدولية المنافسة للولايات المتحدة، وعلى رأسها روسيا والصين، فضلاً عن كونها الركيزة الأيديولوجية والسياسية لمحور الممانعة اللاتيني الذي يضم فنزويلا ونيكاراغوا. إن محاولة إضعاف النظام الكوبي وتفكيك شرعيته في هذا التوقيت بالذات يمثل ضربة استباقية قاصمة لشبكات النفوذ الروسية والصينية في المنطقة، والتي تستغل الأزمات الاقتصادية في أمريكا اللاتينية لترسيخ حضورها العسكري والاقتصادي. من هنا، يتضح أن التحرك الأمريكي يتجاوز بكثير مجرد الرغبة الإنسانية في نشر مبادئ الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان؛ بل هو تكتيك جيوسياسي مدروس بعناية لإعادة إحياء «عقيدة مونرو» وفرض الهيمنة الأمريكية المطلقة في فنائها الخلفي لمنع أي اختراق معادٍ. هذا الضغط الهائل قد يدفع النظام في هافانا، مدفوعاً بغريزة البقاء، إلى الارتماء بشكل أعمق في أحضان حلفائه الدوليين وتقديم المزيد من التنازلات العسكرية والأمنية لهم مقابل الحصول على المساعدات الحيوية، مما يهدد بتحويل الجزيرة مجدداً إلى ساحة مواجهة دولية ساخنة تذكرنا بأزمات القرن الماضي.

في الختام، يقف الشعب الكوبي اليوم عند مفترق طرق تاريخي وحرج للغاية، محاصراً بين فكي نظام شيوعي متهالك ومستبد يتمسك بسلطته المطلقة بأي ثمن مضحياً بمستقبل البلاد، وبين ضغوط ووعود أمريكية تتأرجح باستمرار تبيعاً لتغير الإدارات في واشنطن ومصالحها الانتخابية المحلية. إن «المسار الجديد» الذي يعرضه ماركو روبيو، رغم جاذبيته اللفظية ووعوده البراقة بالخلاص والازدهار، لن يكتب له النجاح الفعلي والمستدام إلا إذا تمكن من ملامسة الاحتياجات الحقيقية واليومية للمواطن الكوبي الذي سئم الصراعات الأيديولوجية التي لا تطعمه خبزاً ويتوق للعيش في كرامة وحرية حقيقيتين. إن التغيير الحقيقي والدائم في كوبا لا يمكن صياغته بالكامل في أروقة صنع القرار بواشنطن أو عبر إصدار لوائح اتهام قضائية عابرة للحدود، بل يجب أن ينبع من إرادة وطنية كوكبية حرة قادرة على قيادة مرحلة انتقالية سلمية تحافظ على سيادة البلاد وتفتح الباب أمام مستقبل أفضل لشبابها. وحتى يتبلور هذا البديل الوطني والداخلي، سيبقى المواطن الكوبي البسيط يدفع ضريبة صراعات القوى الكبرى، بانتظار اليوم الذي تتحول فيه وعود الحرية من مجرد مناورات سياسية وإعلامية إلى واقع ملموس يعيد للجزيرة بريقها المسلوب تحت شمس الكاريبي الحارقة.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url