من الأسرة إلى المجتمع: درع المغرب الواقي ضد آفة التطرفFrom-the-family-to-society-Moroccos-protective-shield-against-the-scourge-of-extremism

From-the-family-to-society-Moroccos-protective-shield-against-the-scourge-of-extremism


في عالم تتزايد فيه التحديات الأمنية وتعقيداتها، يبرز نقاش حول الاستراتيجيات الأكثر فعالية لمواجهة ظاهرة الإرهاب والتطرف. وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الأمني والجنائي المختار أعمرة السباعي على حقيقة جوهرية لطالما غابت عن دائرة الاهتمام، وهي أن الحلول الأمنية البحتة، أو السياسية بمعزل عن النسيج المجتمعي، تظل قاصرة عن تحقيق الهدف المنشود. إن دعوته لتبني مقاربة مجتمعية شاملة، تبدأ من تحصين لبنات المجتمع الأساسية، الشباب والأسرة، ليست مجرد دعوة عابرة، بل هي رؤية استراتيجية تستند إلى فهم عميق لطبيعة هذه الظواهر المتغلغلة. إن التحول الذي شهدته العقيدة الأمنية المغربية بعد أحداث 16 ماي، كما أشار إليه أعمرة، يمثل نقطة تحول هامة، لكنه يؤكد أن التغيير الحقيقي يكمن في تعزيز المناعة المجتمعية، لا في مجرد رد الفعل الأمني.

إن التركيز على الشباب والأسرة كركيزتين أساسيتين في مواجهة التطرف ليس بالأمر الهين، بل يتطلب رؤية استشرافية وجهوداً متضافرة على عدة جبهات. فالشباب، بطبيعة المرحلة العمرية التي يمرون بها، يمتلكون طاقة وحيوية يمكن توجيهها نحو البناء والابتكار، ولكنهم في الوقت ذاته أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية والأفكار المتطرفة التي قد تستغل فراغهم أو إحباطاتهم. وهنا يأتي دور الأسرة كملاذ أول، كمدرسة أولى تعلم الفرد قيم الانتماء والمواطنة الصالحة، وكحائط صد أول في وجه أي أفكار هدامة. عندما تكون الأسرة قوية ومتماسكة، ومزودة بالوعي الكافي حول مخاطر التطرف، فإنها تصبح البيئة المثالية لتربية جيل واعٍ، قادر على التفكير النقدي، ومحصن ضد دعوات الكراهية والانقسام. إن غياب هذه الحصانة الأسرية يفتح الباب أمام التنظيمات المتطرفة لاستقطاب الشباب، عبر استغلال الوسائل الرقمية، أو استغلال الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة.

من وجهة نظري، فإن تبني هذه المقاربة المجتمعية يتجاوز مجرد الخطابات التوعوية. إنه يتطلب استثمارات حقيقية في برامج اجتماعية وثقافية وتربوية تستهدف الشباب بشكل مباشر، وتشجع على الحوار المفتوح داخل الأسرة، وتمنح الأفراد الأدوات اللازمة لمواجهة التحديات الفكرية. يجب أن نبتعد عن النظرة الأمنية التي لا ترى في الشباب إلا مجرد عناصر قد تنحرف، وأن ننظر إليهم كشركاء فاعلين في بناء مستقبل آمن ومستقر. كما أن تفعيل دور المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية يصبح أمراً حيوياً، لتكون قادرة على تقديم نماذج فكرية معتدلة، وتعزيز قيم التسامح والتعايش، ونشر ثقافة الاختلاف الإيجابي. لا يمكننا أن نتوقع من الشباب أن يقاوموا التطرف إذا لم نوفر لهم البدائل الملهمة، والمسارات الواعدة، والشعور بالانتماء الحقيقي لمجتمعهم ووطنهم. فالإرهاب والتطرف يزدهران في بيئات الفراغ والتهميش.

إن تجربة المغرب في هذا المجال، وإن شهدت تطوراً، إلا أنها بحاجة ماسة إلى توسيع نطاق هذه المقاربة المجتمعية لتشمل كافة أطياف المجتمع. فالمسؤولية لا تقع فقط على عاتق الحكومة أو الأجهزة الأمنية، بل تمتد لتشمل كافة الأفراد والمؤسسات. إن بناء مجتمع متماسك، يتمتع بأفراد واعين ومحصنين ضد الأفكار المتطرفة، هو استثمار طويل الأمد ولكنه الأجدى. ويتطلب ذلك تفعيل آليات التنشئة الاجتماعية، وتعزيز دور التربية المدنية، وتمكين الشباب من المشاركة الفعالة في الحياة العامة، وفتح قنوات حوار بناءة بين مختلف الأجيال. كما يجب أن نولي اهتماماً خاصاً للمناطق والفئات الأكثر عرضة للتأثيرات المتطرفة، من خلال برامج متخصصة تعالج جذور المشكلة، وليس فقط أعراضها. فالقضاء على الفكر المتطرف يتطلب بناء الفكر المعتدل، ونشر الوعي، وتشجيع التفكير النقدي، وتعزيز قيم المواطنة الصالحة.

في الختام، إن دعوة المختار أعمرة السباعي لتحصين الشباب والأسرة ليست مجرد شعار، بل هي استراتيجية عمل واقعية وضرورية لمواجهة ظاهرة الإرهاب والتطرف. فالمقاربة الأمنية وحدها، مهما بلغت قوتها، تظل بحاجة إلى سند مجتمعي قوي لتكون فعالة ومستدامة. إن بناء مجتمع واعٍ، مترابط، وقادر على مواجهة التحديات الفكرية، هو الدرع الحقيقي الذي يحمي المغرب من أي محاولات لزعزعة استقراره. ويتطلب ذلك جهوداً مشتركة، رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وإيماناً راسخاً بقدرة الشباب والأسرة على تشكيل مستقبل آمن ومزدهر. إن الاستثمار في رأس المال البشري، وتمكين الأفراد، وتعزيز الحس المجتمعي، هو الطريق الأمثل لضمان الأمن والاستقرار على المدى الطويل.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url