حارس المضيق وصوت العقل: كيف تعيد مسقط صياغة أمن الخليج عبر دبلوماسية الهاتف؟Guardian-of-the-strait-and-voice-of-reason-how-Muscat-is-reshaping-Gulf-security-through-telephone-diplomacy

Guardian-of-the-strait-and-voice-of-reason-how-Muscat-is-reshaping-Gulf-security-through-telephone-diplomacy


لطالما عُرفت مسقط بأنها "واحة الهدوء" في إقليم تتقاذفه أمواج الصراعات العاتية، ولم تكن التحركات الأخيرة لوزير الخارجية العماني، السيد بدر البوسعيدي، إلا فصلاً جديداً من فصول هذه المدرسة الدبلوماسية الفريدة التي تؤمن بأن طاولة الحوار هي السد المنيع الوحيد أمام طبول الحرب. إن تواصل عُمان المتزامن مع طهران وأنقرة في هذا التوقيت الحساس ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو استشعار حقيقي لعظم المسؤولية الملقاة على عاتق السلطنة كحارس أمين لواحد من أهم الممرات المائية في العالم؛ مضيق هرمز. في هذه الجولة من المشاورات، لا تبحث مسقط فقط عن تأمين انسيابية ناقلات النفط، بل تسعى لترميم الجسور المتصدعة بين القوى الإقليمية والدولية، مدركةً أن أي شرارة في مياه الخليج قد تتحول إلى حريق عالمي يصعب إطفاؤه، ومن هنا يأتي الإصرار العماني على وضع ملف حرية الملاحة كأولوية قصوى تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع التوازنات السياسية المعقدة.

بالنظر إلى عمق الحوار مع الجانب الإيراني، نجد أن الوزير البوسعيدي لا يناقش فقط الجوانب التقنية للملاحة، بل يغوص في جوهر الأزمة المتمثل في الملف النووي الإيراني والقضايا العالقة مع واشنطن. إن اختيار عباس عراقجي، بصفته مهندساً سابقاً للاتفاق النووي، ليكون الطرف الآخر في هذا الاتصال، يعكس رغبة عُمان في تحريك المياه الراكدة في مفاوضات "التوافق" التي تبدو وكأنها تمر بمرحلة حرجة من ترقب الخطوات القادمة. التحليل العميق لهذه التحركات يشير إلى أن عُمان تعمل كـ "رئة" يتنفس من خلالها الخصوم بعيداً عن ضجيج الإعلام، حيث تحاول مسقط صياغة معادلة تضمن لإيران حقوقها السيادية وتؤمن للمجتمع الدولي سلامة الملاحة في المنطقة. إن الربط بين الملف النووي وحرية التجارة البحرية هو ذكاء دبلوماسي عماني، حيث يدرك العمانيون أن ضمان أمن الممرات المائية لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن تسوية الخلافات السياسية الكبرى التي تدفع الأطراف أحياناً لاستخدام ورقة المضائق كوسيلة ضغط جيوسياسية.

دخول تركيا على خط هذه المشاورات يضيف بعداً إقليمياً مهماً يعزز من فكرة "الأمن الجماعي" الذي تدعو إليه عُمان باستمرار. أنقرة، بصفتها قوة إقليمية ذات مصالح اقتصادية ضخمة في المنطقة، ترى في استقرار الخليج ضمانة لأمنها الطاقوي وتوسعها التجاري نحو الشرق. إن النقاش العماني-التركي يبرز وعياً متزايداً بأن أمن المنطقة لم يعد شأناً محصوراً في الدول المطلة على الخليج فحسب، بل هو شأن يمتد ليشمل القوى الإقليمية الفاعلة التي تمتلك نفوذاً وعلاقات متشعبة. من وجهة نظري كتحليل لهذا المشهد، فإن عُمان تحاول خلق "كتلة استقرار" تضم أطرافاً قد تختلف في الرؤى السياسية لكنها تتفق على قدسية حرية التجارة العالمية. هذا التنسيق الثلاثي (العماني، الإيراني، التركي) يبعث برسالة واضحة مفادها أن المنطقة قادرة على إدارة ملفاتها الأمنية إذا ما توفرت الإرادة السياسية الصادقة والوساطة النزيهة التي تمثلها مسقط بكل جدارة.

أما من منظور تحليلي خاص، فإن ما تقوم به الدبلوماسية العمانية اليوم يتجاوز مفهوم الوساطة التقليدية إلى مفهوم "الهندسة الأمنية الاستباقية". فبينما يرى البعض أن حرية الملاحة هي مجرد قضية قانونية دولية، تراها مسقط صمام أمان للسلام العالمي؛ فتعطل الحركة في مضيق هرمز يعني شللاً في الاقتصاد الدولي وارتفاعاً جنونياً في أسعار الطاقة، وهو ما لا يريده أحد في هذه المرحلة المثقلة بالأزمات الاقتصادية. أعتقد أن النجاح العماني يكمن في قدرتها على كسب ثقة المتناقضين؛ فهي الصديق الصدوق لإيران، والشريك الاستراتيجي للولايات المتحدة، والجار الموثوق لدول الجوار، والوسيط المقدر من تركيا. هذه المكانة تجعل من كل اتصال هاتفي يجريه البوسعيدي بمثابة "رسالة طمأنة" للأسواق العالمية بأن هناك من يسهر على منع الانزلاق نحو المجهول، وأن لغة الحوار لا تزال هي العملة الأقوى في سوق السياسة بمنطقة الشرق الأوسط.

ختاماً، تظل التحركات العمانية الأخيرة دليلاً راسخاً على أن الدول لا تُقاس بمساحاتها أو ترساناتها العسكرية، بل بحكمتها وقدرتها على التأثير الإيجابي في مسار الأحداث الدولية. إن البحث في حرية الملاحة وتعزيز الأمن والاستقرار من خلال قنوات التواصل المفتوحة مع طهران وأنقرة يؤكد أن عُمان ستبقى دائماً هي "البوصلة" التي تشير نحو التوافق والوئام. إن الطريق نحو حل الملفات العالقة بين طهران وواشنطن قد يكون طويلاً وشائكاً، لكن وجود وسيط بوزن وثبات السلطنة يمنح العالم أملاً في أن العقلانية ستنتصر في النهاية. يبقى الرهان الآن على مدى استجابة الأطراف الأخرى لهذه المساعي العمانية الصادقة، فاستقرار الخليج وضمان انسيابية التجارة ليس مصلحة إقليمية فحسب، بل هو ضرورة وجودية لاستقرار النظام العالمي بأسره، وستظل مسقط دائماً هي الركيزة التي يستند إليها الجميع عندما تشتد الأزمات وتغيب الرؤية.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url