رمال مضطربة: قراءة في ديناميكيات القوة بين المطرقة المالية والدرع الموريتانيTroubled-Sands-Reading-the-Power-Dynamics-Between-Financial-Hammers-and-the-Mauritanian-Shield
في قلب الصحراء الكبرى، حيث تتداخل الحدود وترسم الرمال خرائط متغيرة باستمرار، تشهد منطقة الساحل الإفريقي فصلاً جديداً من فصول الصراع الجيوسياسي الذي لا ينتهي. تعيش مالي اليوم حالة من الاستنفار العسكري القصوى، حيث تتبنى السلطات الانتقالية في باماكو استراتيجية هجومية شاملة تهدف إلى استئصال شأفة المجموعات المسلحة التي اتخذت من المناطق الحدودية الوعرة معاقل لها لسنوات طويلة. هذا التحول من الدفاع إلى الهجوم ليس مجرد مناورة تكتيكية، بل هو تعبير عن إرادة سياسية جديدة تسعى لاستعادة سيادة الدولة المفقودة على كامل ترابها الوطني، حتى لو تطلب ذلك خوض معارك طاحنة في بيئات جغرافية معقدة للغاية. إن التحركات العسكرية المالية الأخيرة، والتي تتسم بالزخم والكثافة، تضع المنطقة بأسرها على صفيح ساخن، خاصة مع تزايد التقارير التي تتحدث عن اقتراب العمليات من الخطوط التماسيّة مع دول الجوار، مما يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة هذه الدول على ضبط حدودها ومنع انتقال شرارة الصراع إلى أراضيها، في ظل بيئة أمنية هشة تعاني أصلاً من تداخل المصالح والتهديدات العابرة للحدود.
على الجانب الآخر من الحدود، تقف موريتانيا بموقف يتسم باليقظة والحذر الشديد، حيث جاء النفي القاطع من قبل المؤسسة العسكرية الموريتانية لأي اختراق لحدودها من قبل جماعات مسلحة كرسالة طمأنة داخلية ودبلوماسية في آن واحد. إن هذا النفي ليس مجرد تصريح إعلامي عابر، بل هو انعكاس لاستراتيجية أمنية موريتانية أثبتت نجاعتها على مدار العقد الماضي، تعتمد على الحضور الميداني المكثف للقوات المسلحة في المناطق الحساسة وتفعيل منظومات الرقابة الحدودية الصارمة. نواكشوط تدرك جيداً أن الانزلاق نحو مستنقع التصريحات المتبادلة أو القلق الحدودي قد يؤثر على استقرارها الداخلي وعلى صورتها كواحة للهدوء في إقليم مضطرب. ومن هنا، يبرز التحدي الكبير في كيفية الموازنة بين حماية السيادة الوطنية من أي تسلل محتمل للمسلحين الفارين من ضغط الجيش المالي، وبين الحفاظ على علاقات جوار مستقرة مع باماكو التي تخوض حرب وجود حقيقية. إن الموقف الموريتاني يبعث بإشارات واضحة مفادها أن الحدود الموريتانية خط أحمر، وأن الأجهزة الأمنية تمتلك السيطرة الكاملة والمبادرة في رصد أي تحرك مشبوه قبل وصوله إلى العمق الموريتاني.
من وجهة نظري الشخصية وتحليلي للموقف، أرى أننا أمام مشهد يتجاوز مجرد العمليات العسكرية الميدانية؛ نحن بصدد صراع على "الرواية الأمنية". فبينما تسعى مالي لإظهار قوتها وقدرتها على تطهير حدودها، تحرص موريتانيا على إظهار منعة حدودها واستعصائها على الاختراق. هذا التباين في الخطاب يعكس عمق الأزمة الثنائية في التنسيق الأمني، حيث يبدو أن الثقة المتبادلة تعاني من فجوات قد يستغلها المسلحون أنفسهم. إنني أعتقد أن غياب آلية تنسيق مشتركة وفعالة في هذه اللحظة الحرجة قد يؤدي إلى نتائج عكسية؛ فالمسلحون في هذه المناطق يمتلكون خبرة واسعة في استغلال "الفراغات" الحدودية والاختلافات السياسية بين العواصم. كما أن الاعتماد على الخيار العسكري الصرف من الجانب المالي، دون مراعاة التداعيات الإنسانية والاجتماعية على القبائل المشتركة بين البلدين، قد يخلق بيئة حاضنة جديدة للتطرف تحت مسميات المظلومية العرقية أو التهميش، وهو ما يفرض على القادة في البلدين التفكير في حلول تتجاوز الرصاص لتشمل التنمية والتعاون الاستخباري الوثيق.
إن القلق الدولي والإقليمي المتزايد حيال ما يحدث على الحدود المالية الموريتانية مبرر تماماً، فمنطقة الساحل لم تعد تتحمل مزيداً من بؤر التوتر التي قد تنفجر في أي لحظة لتشمل دولاً أخرى. إن العمليات المالية، رغم ضرورتها في محاربة الإرهاب، يجب أن تُحاط بضمانات تمنع الانتهاكات وتضمن عدم دفع المسلحين نحو دول الجوار ككتلة واحدة، مما قد يسبب ارتباكاً أمنياً لنواكشوط. في المقابل، فإن الصلابة الموريتانية في نفي الاختراقات يجب أن تتبعها خطوات ميدانية لتعزيز التعاون مع باماكو، لأن أمن موريتانيا يبدأ من استقرار مالي، والعكس صحيح. إن الجغرافيا تفرض على البلدين قدراً مشتركاً، ولا يمكن لأي منهما أن يزعم النجاة بمفرده إذا ما سقطت المنطقة في فوضى عارمة. التحدي الحقيقي اليوم يكمن في كيفية تحويل هذه الأزمة الحدودية إلى فرصة لإعادة بناء الثقة الأمنية وتدشين مرحلة جديدة من العمليات المشتركة التي تستهدف العدو الحقيقي، بدلاً من الانشغال بنفي الاتهامات أو إصدار بيانات التهدئة التي قد لا تصمد طويلاً أمام واقع الميدان الملتهب.
ختاماً، يظل المشهد على الحدود المالية الموريتانية مفتوحاً على كافة الاحتمالات، فبين طموحات الجيش المالي في حسم المعركة وإنكار موريتانيا لأي تمدد للصراع نحو أراضيها، تبرز حاجة ملحة لتبني مقاربة إقليمية شاملة. إن مكافحة الإرهاب ليست مجرد مطاردة لمجموعات مسلحة في تلال الصحراء، بل هي استراتيجية متكاملة تتطلب الشفافية، والتنسيق العسكري، واحترام السيادة، وقبل كل شيء، حماية المدنيين الذين يجدون أنفسهم دائماً بين مطرقة العمليات العسكرية وسندان الجماعات المتطرفة. إن المستقبل في الساحل يعتمد على مدى قدرة العواصم على التحدث بلغة واحدة وفهم أن العدو المشترك لا يحترم الحدود الجغرافية، وأن الانتصار الحقيقي ليس في طرد المسلحين إلى أرض الجار، بل في القضاء على مسببات وجودهم من الأساس من خلال تنمية حقيقية وتعاون أمني صادق يتجاوز حدود البيانات الرسمية إلى واقع ملموس يحفظ أمن الإنسان والأرض على حد سواء.