أروقة اليونسكو تتحول إلى حلبة صراع: عندما تشوه السياسة احتفالية الأسبوع الإفريقي وتلتهم الفن المشتركUNESCO-hallways-turn-into-a-battleground-when-politics-distorts-the-African-week-celebration-and-devours-shared-art
تعتبر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بمثابة المحفل العالمي الأرقى الذي يهدف إلى تقريب الشقاق بين الشعوب ومد جسور التواصل الإنساني عبر بوابات الفن والتراث والتعليم المشترك. ومع ذلك، فإن هذه الأروقة الباريسية العريقة التي صُممت في الأصل لتكون واحة للسلام والتعاون الإنساني الشامل، غالباً ما تجد نفسها اليوم مسرحاً لتجاذبات سياسية ضيقة تعكس عمق الخلافات الثنائية المتجذرة بين الدول. ولعل الواقعة الأخيرة التي شهدتها فعاليات الاحتفاء بـ "الأسبوع الإفريقي" تسلط الضوء بشكل صارخ ومقلق على هذا التحول المؤسف، حيث تحولت احتفالية مخصصة بالأساس للاحتفاء بالهوية الإفريقية المشتركة وتنوعها الثقافي الباهر إلى ساحة مواجهة جديدة للتوتر الدبلوماسي بين الجارين الشقيقين، المغرب والجزائر. إن هذا الانزلاق المقلق من فضاء الحوار الفكري الراقي والتبادل الفني المستنير إلى منزلقات المشاحنات الميدانية الضيقة يعكس بلا شك عمق الأزمة التي باتت تتسلل إلى أدق تفاصيل الأنشطة الموازية في المنظمات الدولية، مما يهدد بشكل مباشر بتفريغ هذه المناسبات النبيلة من محتواها الأخلاقي والتقريبي، ويحولها بدلاً من ذلك إلى منصات لتصفية الحسابات السياسية وتكريس القطيعة بين شعوب تجمعها جغرافيا وتاريخ مشترك.
وفقاً للبيان الصادر بنبرة شديدة اللهجة عن البعثة الدبلوماسية المغربية لدى منظمة اليونسكو، فإن الأحداث التي شهدتها هذه الفعالية الثقافية القارية تجاوزت كل حدود الأعراف الدبلوماسية والبروتوكولية المعتادة، متمثلة في تصرفات وسلوكيات وصفت بالاستفزازية وغير المقبولة صدرت عن أفراد يُعتقد بشكل وثيق ارتباطهم بالوفد الجزائري ضد فاعلين جمعويين مغاربة. هذا الاحتجاج المغربي الرسمي لم يكن مجرد رد فعل عادي أو عابر على احتكاك بسيط، بل جاء كخطوة دبلوماسية حازمة ومدروسة للتنديد بمحاولات التشويش الممنهج على الحضور المغربي المتميز في هذه التظاهرة الإفريقية الكبرى. إن استهداف ممثلي المجتمع المدني المغربي، الذين يشاركون بصفة طوعية وحماس وطني لتقديم صورة مشرقة وحضارية عن تراث بلادهم العريق، يمثل سابقة خطيرة تعكس بوضوح ضيق صدر الطرف الآخر بالتميز الثقافي المغربي وقدرته الفريدة على جذب الانتباه الدولي واستقطاب إعجاب زوار المعرض. هذه السلوكيات الاستفزازية لا تسيء فقط للجهة التي صدرت عنها ولا تقلل من شأن المغرب، بل تشكل إساءة مباشرة وبليغة للمنظمة الأممية الحاضنة نفسها، وتطرح تساؤلات جدية وعميقة حول مدى التزام بعض الوفود بالقوانين والأنظمة الداخلية الصارمة التي تفرض احترام الآخر وتجنب تسييس الفضاءات الثقافية المشتركة تحت أي ظرف.
من منظور تحليلي ونقدي أعمق، لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل هذه الواقعة المؤسفة عن سياق أوسع وأكثر تعقيداً يتعلق بـ "حرب التراث والرمزية" المستعرة بين الرباط والجزائر في السنوات الأخيرة، والتي تجاوزت الصراع السياسي الكلاسيكي لتشمل النزاع حول نسب أطباق تقليدية، وأزياء عريقة كالقفطان، وفنون معمارية أصيلة كالزليج. لقد أصبحت الثقافة في هذه الآونة بمثابة جبهة مواجهة جديدة لا تقل ضراوة عن الجبهات الدبلوماسية والجيوسياسية التقليدية، حيث يسعى كل طرف بكل قواه لإثبات أسبقيته وحماية هويته التاريخية وتدويلها. وفي هذا الصدد، يبدو جلياً أن الطرف الجزائري يستشعر قلقاً متزايداً وضغطاً نفسياً من الفعاليات المغربية المتتالية والناجحة داخل أروقة اليونسكو، والتي تكللت بتسجيل العديد من عناصر التراث المغربي غير المادي في قوائم المنظمة الدولية الرسمية. هذا النجاح الدبلوماسي والثقافي المغربي المتراكم دفع، على ما يبدو، بالخلاف إلى الخروج من القاعات المغلقة والملفات القانونية ليتجسد في ممارسات ميدانية خشنة، مما يكشف عن غياب رؤية استراتيجية واعية تؤمن بأن التراث المغاربي هو في الأصل إرث إنساني مشترك يمكن أن يكون قاطرة للاندماج الإقليمي والتكامل الاقتصادي بدلاً من أن يكون وقوداً مستمراً لتعميق الفجوة وجفاء القلوب.
إن هذا السلوك المتشنج لا تقتصر أضراره الجسيمة على العلاقات الثنائية المتوترة أصلاً بين البلدين، بل يمتد ليشكل طعنة مؤلمة في خاصرة العمل الإفريقي المشترك والانسجام القاري داخل المؤسسات والمنظمات الدولية ذات الثقل الإقليمي. ففي الوقت الذي تحتاج فيه القارة السمراء، أكثر من أي وقت مضى، إلى توحيد صفوفها وصياغة صوت قوي وموحد للدفاع عن قضاياها التنموية الكبرى، واكتساب مكانة تليق بحجمها في عملية صنع القرار العالمي، تأتي هذه الصراعات الهامشية الضيقة لتشتت الجهود وتظهر القارة بصورة الكيان المنقسم والمشتت أمام الشركاء والمراقبين الدوليين في العواصم الغربية. إن احتفالية مثل "الأسبوع الإفريقي" تمثل فرصة ذهبية نادرة لإبراز غنى القارة وتنوعها الثقافي المذهل وتسويق صورتها الإيجابية والحديثة للعالم، وحينما تطغى الخلافات المغاربية الضيقة على المشهد العام للحدث، فإن الرسالة الحضارية الأساسية تضيع تماماً وسط ضجيج الاتهامات والاشتباكات الجانبية. ومن هنا، يقع على عاتق رئاسة المجموعة الإفريقية داخل اليونسكو، وكذا إدارة المنظمة الأممية نفسها، اتخاذ تدابير تنظيمية صارمة وحاسمة لضمان عدم تكرار مثل هذه الانزلاقات السلوكية، وحماية الفعاليات الثقافية من أن تقع رهينة للأجندات السياسية الضيقة التي لا تخدم مصالح شعوب القارة بأي حال من الأحوال بل تعيق تقدمها.
ختاماً، يمكن القول إن ما حدث في العاصمة الفرنسية باريس يدق ناقوس الخطر وبقوة حول مستقبليات الدبلوماسية الثقافية وحوار الثقافات في المنطقة المغاربية برمتها، والتي باتت مهددة بالتصحر الفكري والجمود الدبلوماسي. إن الحفاظ على قدسية ونقاء الفضاءات الثقافية الدولية يتطلب نضجاً سياسياً كبيراً يتجاوز الخلافات الظرفية العابرة، وإيماناً حقيقياً وراسخاً بأن الفن والتراث والثقافة هي القوة الناعمة التي يجب أن تجمع القلوب وتؤلف بين الشعوب لا أن تفرقها وتثير الضغائن بينها. والمغرب، من خلال رده الدبلوماسي الذي اتسم بالحزم والوضوح عبر بلاغ رسمي، يؤكد التزامه التام بالقواعد والقوانين الدولية المنظمة وفي نفس الوقت يضع خطوطاً حمراء عريضة أمام أي محاولة يائسة للمس بكرامة مواطنيه وفائليه الجمعويين أو التشكيك في تراثه العريق الضارب في أعماق التاريخ. ويبقى الأمل معقوداً، رغم قتامة المشهد الحالي، على أن تدرك النخب الفكرية وصناع القرار في الجارة الجزائر أن صراع الهويات المصطنع ومحاولة طمس الحقائق التاريخية لن يبني مستقبلاً واعداً لشعوب المنطقة، وأن العودة إلى منطق الحكمة والتعقل والتعاون المبني على الاحترام المتبادل لسيادة الدول وتراثها هو السبيل الوحيد والآمن للخروج من هذا النفق الدبلوماسي المظلم، لكي تظل اليونسكو دائماً وأبداً منارة للتلاقي الإنساني الراقي، لا حلبة لمصارعة الخلافات السياسية وتصفية الأحقاد الإقليمية.