8 قتلى في غارة إسرائيلية على غزة
لم تعد الأخبار القادمة من قطاع غزة تحمل في طياتها سوى فصول جديدة من الألم الممتد، ففي غارة جوية استهدفت محيط أحد الأسواق الحيوية في مخيم النصيرات وسط القطاع يوم الجمعة، تحولت لحظات التسوق البسيطة إلى مشهد من الدماء والدمار. هذه الغارة، التي أودت بحياة ثمانية مدنيين، ليست مجرد رقم في سجل الإحصائيات اليومية، بل هي تجسيد لحالة الاستباحة التي يعيشها سكان القطاع، حيث لا يجد النازحون والباحثون عن لقمة عيشهم ملاذًا آمنًا، حتى في الأسواق التي يُفترض أنها مساحات للحياة لا للموت. إن وصول جثامين هؤلاء الضحايا إلى مستشفى العودة يذكرنا بالمعاناة المزدوجة التي يواجهها الطاقم الطبي والمواطنون في آن واحد، في ظل تآكل البنية التحتية الصحية وتلاشي فرص النجاة.
من وجهة نظري ككاتب ومراقب للأحداث، يبدو أن استراتيجية الاستهداف في قطاع غزة قد تجاوزت كل الخطوط الحمراء المتعارف عليها في الحروب، حيث أصبحت المناطق المكتظة بالسكان، مثل مخيمات اللاجئين، أهدافًا متكررة تحت ذرائع أمنية واهية. إن استهداف سوقٍ في وسط القطاع يرسل رسالة واضحة مفادها أن لا مكان في غزة يتمتع بالحصانة، وأن سياسة الترهيب الممنهج هي العنوان الأبرز لهذه المرحلة. إنني أرى أن هذا النهج العسكري يهدف إلى كسر إرادة الصمود لدى الفلسطينيين، ولكن النتيجة المستمرة هي مزيد من الحقد والانقسام، وتعميق للهوة الإنسانية التي ستظل شاهدة على تقاعس المجتمع الدولي عن وقف نزيف الدماء في هذه الأرض المحاصرة.
إن الصمت المريب الذي يلف أروقة القرار الدولي تجاه ما يحدث في النصيرات وغيرها من المناطق يطرح تساؤلات وجودية حول مفهوم "العدالة الدولية". عندما يتم تبرير مقتل مدنيين بضربات جوية دقيقة بذريعة ملاحقة أهداف معينة، دون مراعاة للكثافة السكانية، فإننا أمام إفلاس أخلاقي وسياسي لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال. إنني أؤمن بأن المجتمع الدولي، إذا ما أراد حقاً الحفاظ على ما تبقى من مصداقيته، فعليه أن يخرج من دائرة التنديد الخجول إلى اتخاذ مواقف حازمة تفرض حماية المدنيين، لا أن يكتفي بدور المتفرج الذي يعدّ الضحايا ويصدر بيانات التأسف التي لم تعد تُغني أو تُسمن من جوع لآلاف العائلات المكلومة.
على صعيد آخر، لا يمكن فصل هذا الهجوم عن السياق العام للعمليات العسكرية المستمرة التي تستنزف النسيج الاجتماعي لقطاع غزة. إن مخيم النصيرات، الذي يضم آلاف النازحين الذين فروا من مناطق أخرى ظناً منهم أنهم سيجدون فيه الأمان، أصبح اليوم بؤرة للاستهداف المتواصل. إن تكرار هذه الحوادث في وسط القطاع يعكس تغيراً في تكتيكات الميدان نحو مزيد من العشوائية في اختيار الأهداف، مما يجعل حياة المدنيين الفلسطينيين في خطر محدق على مدار الساعة. إنني أرى أن الحلول العسكرية مهما بلغت حدتها، لن تحقق هدفاً استراتيجياً سوى خلق أجيال جديدة مشبعة بمرارة الفقد، وهو ما يجعل المستقبل أكثر ضبابية وقسوة للجميع.
ختاماً، إن دماء الشهداء الثمانية الذين ارتقوا في سوق النصيرات هي جرح إضافي في جسد الإنسانية التي بدت عاجزة ومشلولة. لا يمكن للكلمات أن تصف حجم الفاجعة التي تعيشها العائلات التي فقدت أحباءها في لحظة غدر جوي، ولا يمكن للبيانات أن تعوض طفلاً فقد أمه في السوق أو رجلاً فقد عائلته بالكامل. إن طريق السلام يمر حتماً عبر وقف هذه المجازر، والاعتراف بحق هذا الشعب في الحياة بعيداً عن أزيز الطائرات وقذائف الموت. كل قطرة دم تسقط هناك هي وصمة عار في جبين هذا العصر، وستظل صرخة هؤلاء الضحايا تلاحق ضمائر العالم حتى تستقيم الأمور وتشرق شمس العدالة على هذا القطاع المنهك.