مرحلة اللاعودة: كيف تقوض استراتيجية التصعيد الإيراني أمن الخليج والأردن؟
شهدت الأسابيع الأخيرة تحولاً نوعياً وخطيراً في العقيدة العسكرية الإيرانية، حيث انتقلت طهران من سياسة الحروب بالوكالة إلى المواجهة المباشرة التي لم تستثنِ المدنيين في الكويت والبحرين وقطر والأردن. إن هذا التصعيد العسكري ليس مجرد مناوشات حدودية أو استعراض للقوة، بل هو مؤشر على رغبة إيرانية في إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي عبر ترهيب الجيران وتهديد المنشآت الحيوية التي تمثل شريان الحياة الاقتصادي لهذه الدول. هذا السلوك يمثل انتهاكاً صارخاً لمواثيق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي الإنساني، ويضرب بعرض الحائط كافة الأعراف الدبلوماسية ومبادئ حسن الجوار التي طالما تشدقت بها طهران في خطاباتها الرسمية، مما يجعل المنطقة في مواجهة واقع جديد يتسم بعدم اليقين والتوتر المتصاعد.
من وجهة نظري التحليلية، أعتقد أن هذا الاستهداف الممنهج يعكس حالة من "الارتباك الاستراتيجي" داخل صانع القرار في طهران. فعندما تلجأ دولة إلى استهداف التجمعات المدنية والبنى التحتية الحيوية، فهي تعترف ضمنياً بفشل مشاريعها السياسية في كسب القلوب والعقول أو فرض الهيمنة عبر القوى الناعمة. إن الهدف من وراء هذه الضربات هو زعزعة الجبهات الداخلية في تلك الدول، ومحاولة دفع الحكومات للرضوخ لمطالب إيرانية جيوسياسية، لكن ما يغيب عن الحسابات الإيرانية هو أن مثل هذه الأفعال لا تؤدي إلا إلى تعزيز اللحمة الوطنية داخل تلك الدول، وتدفعها نحو تشكيل تحالفات أمنية أكثر صلابة وتماسكاً لحماية سيادتها، مما يعني أن الاستراتيجية الإيرانية ستؤدي في نهاية المطاف إلى عزلة إقليمية أكبر بدلاً من التوسع الذي تنشده.
إن استهداف الأردن والكويت وقطر والبحرين يحمل رسائل متعددة الأوجه؛ فبالنسبة للأردن، يبدو أن طهران تحاول الضغط على المملكة بسبب مواقفها السياسية المستقلة، بينما في حالة دول الخليج، تسعى إيران لاستخدام "ورقة التهديد العسكري" كمحاولة يائسة لعرقلة مسارات التنمية الاقتصادية والانفتاح الدولي. إن ضرب المنشآت الحيوية، مثل محطات الطاقة ومرافق التحلية، هو تكتيك إرهابي يعبر عن إفلاس أخلاقي وسياسي، حيث يتم استخدام معاناة المدنيين كأداة ضغط في مفاوضات سياسية خفية. هذا النهج يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لتصنيف هذه الأفعال كجرائم حرب تستوجب الرد الرادع، لأن التهاون مع مثل هذه الانتهاكات لن يؤدي إلا إلى تشجيع الأنظمة على التمادي في غيها، مما يهدد أمن الملاحة العالمية وإمدادات الطاقة التي تعتمد عليها البشرية جمعاء.
تحليلي للوضع يشير إلى أن المنطقة تقف عند منعطف تاريخي لا يحتمل أنصاف الحلول. إن الاعتماد على القنوات الدبلوماسية التقليدية مع نظام يرى في التصعيد العسكري وسيلة للنجاة يبدو غير مجدٍ. الدول المتضررة اليوم تمتلك من القوة العسكرية والتحالفات الدولية ما يجعلها قادرة على الدفاع عن نفسها، لكن التحدي الأكبر يكمن في كيفية تحييد التهديدات الإيرانية دون الانجرار إلى صراع شامل يدمر مكتسبات التنمية التي حققتها شعوب المنطقة لعقود طويلة. إن بناء "درع إقليمي مشترك" لم يعد خياراً استراتيجياً، بل ضرورة وجودية، حيث أثبتت التطورات الأخيرة أن أمن البحرين مرتبط بأمن الأردن، وأن استقرار الكويت هو جزء لا يتجزأ من استقرار قطر، فكلهم مستهدفون بمشروع يسعى لزعزعة استقرار النظام الإقليمي العربي.
ختاماً، إن السلام لا يُصنع بالوعود الجوفاء، بل بفرض معادلات ردع حقيقية تجعل تكلفة أي عدوان إيراني باهظة بما يكفي لمنع حدوثه. إن التحدي القادم يتطلب وحدة في الصف العربي، وتكاتفاً دولياً ضد التهديدات التي تطال المدنيين والمنشآت الحيوية. إيران اليوم تختبر حدود صبر المجتمع الدولي وإرادة دول المنطقة، والرد الأمثل لا يقتصر على الاستنكار اللفظي، بل في بناء استراتيجية دفاعية موحدة تدرك أن أمن الجوار هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه. إن المستقبل يتطلب حكمة في القرار وقوة في التنفيذ، لضمان ألا تظل شعوبنا رهينة لأجندات التوسع والحروب التي لا تجلب إلا الدمار والخراب للجميع.