أبعد من التوقعات: إنفانتينو ومونديال 2026.. هل نرى الأعظم حقاً؟
إن تصريح جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، حول مونديال 2026 بأنه سيكون "أعظم بطولة كأس عالم في التاريخ" ليس مجرد توقع عادي، بل هو إعلان جريء يضع معايير عالية لحدث رياضي لم يحدث بعد. جاء هذا التصريح الطموح خلال حفل استقبال في برج ترامب بمدينة نيويورك، وهو ما يضيف بعداً سياسياً وإعلامياً للحدث المستقبلي، خاصة مع إشارته إلى الدور "غير المسبوق" للولايات المتحدة في إنجاح البطولة. هذه الكلمات، التي تحمل ثقلاً كبيراً قادمة من رأس الهرم الكروي العالمي، تثير تساؤلات حول الأسس التي بُني عليها هذا اليقين المطلق، وما إذا كان مجرد حملة علاقات عامة مبكرة أم رؤية حقيقية تستند إلى خطط راسخة. فمونديال 2026 سيحمل معه العديد من السوابق، أبرزها توسيع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 فريقاً، واستضافته المشتركة في ثلاث دول (الولايات المتحدة، كندا، المكسيك)، مما يجعله تحدياً لوجستياً وتنظيمياً هائلاً بحد ذاته. إنها ليست مجرد بطولة كرة قدم، بل مشروع ضخم يهدف إلى إعادة تعريف مقاييس تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، فهل سنشهد بالفعل نسخة تتجاوز الخيال، أم أننا أمام تضخيم لتوقعات قد تصطدم بواقع التنفيذ؟
تستند ادعاءات إنفانتينو، بلا شك، إلى عدة عوامل جوهرية تجعل من استضافة الولايات المتحدة (إلى جانب كندا والمكسيك) حدثاً ذا إمكانات هائلة. تتمتع الولايات المتحدة ببنية تحتية رياضية لا مثيل لها، حيث تضم عشرات الملاعب الحديثة والكبيرة التي تستضيف مباريات كرة القدم الأمريكية وكرة القدم الأوروبية بشكل منتظم، مما يقلل بشكل كبير من الحاجة إلى بناء مرافق جديدة مكلفة ومستهلكة للوقت. هذا إلى جانب شبكة واسعة من الفنادق والمطارات ووسائل النقل المتطورة، القادرة على استيعاب ملايين الزوار والفرق المشاركة بكفاءة عالية. علاوة على ذلك، يمثل السوق الأمريكي، بتنوعه الثقافي الهائل وشغفه المتزايد بكرة القدم، فرصة تجارية ذهبية للفيفا. الإيرادات المتوقعة من حقوق البث، الرعاية، وبيع التذاكر والمنتجات التذكارية من المتوقع أن تحطم الأرقام القياسية، مما يجعل الجانب المالي المحرك الأبرز لهذه "العظمة" الموعودة. كما أن توسيع البطولة لتشمل 48 فريقاً يعني زيادة في عدد المباريات، وبالتالي زيادة في إيرادات البث والإعلانات، إضافة إلى إشراك دول أكثر، مما يعزز البعد العالمي والشمولي للحدث. الولايات المتحدة، بتاريخها الطويل في استضافة الأحداث الكبرى بنجاح، تُعتبر شريكاً موثوقاً قادراً على تحويل هذه الرؤية الطموحة إلى واقع ملموس، على الأقل من المنظور المالي والتشغيلي.
رغم الإمكانات الهائلة التي ذكرها إنفانتينو، إلا أن هناك جانباً آخر من الصورة يحمل تحديات جسيمة، ويثير بعض الشكوك حول واقعية ادعاء "أعظم بطولة في التاريخ". أحد أكبر هذه التحديات يكمن في اللوجستيات المعقدة لتنظيم بطولة بهذا الحجم عبر ثلاث دول شاسعة. المسافات بين المدن المستضيفة في الولايات المتحدة وحدها يمكن أن تكون ضخمة، ناهيك عن السفر بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. هذا يعني رحلات طويلة ومتعبة للمنتخبات والجماهير، مما قد يؤثر على جودة الأداء الرياضي وتجربة المشجعين. كما أن التنوع في المناطق الزمنية قد يخلق تحديات إضافية للجماهير التي تتابع المباريات حول العالم. من منظور رياضي بحت، يثير البعض تساؤلات حول ما إذا كان توسيع البطولة إلى 48 فريقاً سيخفض من مستوى الجودة في المراحل الأولى، مع وجود فرق أقل تنافسية قد لا تقدم المستوى المطلوب. الأمان وإدارة الحشود في عدد كبير من المدن عبر الحدود الدولية يتطلب تنسيقاً استثنائياً. وهناك دائماً خطر المبالغة في التوقعات، فالتصريحات الكبيرة من المسؤولين الكبار ليست غريبة، وكثيراً ما تكون جزءاً من استراتيجية تسويقية تهدف إلى بناء الزخم. هل يمكن أن تكون هذه مجرد عبارات دعائية لصرف الانتباه عن تحديات داخلية أو لإضفاء هالة من الإنجاز على فترة رئاسة إنفانتينو؟
بالنظر إلى ما هو أبعد من مجرد التنظيم الفني والمالي، فإن مونديال 2026 يحمل وعداً بتأثير عميق ودائم، خاصة على مشهد كرة القدم في أمريكا الشمالية. يمكن أن يكون هذا الحدث بمثابة محفز هائل لنمو شعبية كرة القدم في الولايات المتحدة، التي لطالما اعتبرت "سوقاً نائماً" لهذه الرياضة مقارنة بالرياضات الأخرى. يمكن أن يشجع ملايين الشباب على ممارسة كرة القدم، ويعزز من مكانة الدوري الأمريكي للمحترفين (MLS)، ويستقطب المزيد من الاستثمارات في الأندية والبنية التحتية الرياضية. كما أن البطولة ستوفر منصة لا تقدر بثمن للتبادل الثقافي بين الدول المشاركة والجماهير من مختلف أنحاء العالم، مما يعزز التفاهم والتعايش من خلال قوة الرياضة. على الصعيد الاقتصادي، فإن استضافة حدث بهذا الحجم سيولد فرص عمل ضخمة، وينشط السياحة والاقتصاد المحلي في المدن المستضيفة، ويترك إرثاً من البنية التحتية المحسنة. إنها فرصة لإظهار قدرة أمريكا الشمالية على استضافة أحداث عالمية كبرى بكفاءة عالية، وربما وضع معيار جديد لكيفية تنظيم البطولات الكبرى في المستقبل، مع التركيز على الاستفادة من الموارد القائمة وتحقيق أقصى قدر من العائد التجاري، مع محاولة عدم إغفال الجانب الرياضي والتنافسي الذي هو جوهر اللعبة.
في الختام، يظل تصريح جياني إنفانتينو حول كون مونديال 2026 "أعظم بطولة كأس عالم في التاريخ" طموحاً بشكل لافت للنظر، ومثيراً للجدل في آن واحد. فمن جهة، تمتلك أمريكا الشمالية كل المقومات اللازمة لتقديم بطولة ناجحة ومربحة مالياً بشكل غير مسبوق، بفضل بنيتها التحتية الممتازة وسوقها الواسع وشغفها المتزايد باللعبة. ومن جهة أخرى، فإن حجم البطولة غير المسبوق، وتحدياتها اللوجستية المعقدة، والتساؤلات حول الجودة الرياضية للبطولة الموسعة، كلها عوامل تجعل من تحقيق وصف "الأعظم" أمراً صعباً للغاية ومحاطاً بالكثير من الترقب. إن "العظمة" في كرة القدم لا تُقاس فقط بالأرقام القياسية المالية أو بكثرة المنتخبات المشاركة، بل تُقاس أيضاً بجودة المباريات، الروح التنافسية، التجربة الفريدة للجماهير، واللحظات التاريخية التي تُحفر في الذاكرة. هل سيُنتج مونديال 2026 لحظات سحرية خالدة توازي أو تتجاوز سحر المونديالات الكلاسيكية؟ هذا ما سيكشفه الزمن. ما هو مؤكد أن الفيفا بقيادة إنفانتينو ترفع سقف التوقعات عالياً جداً، ويبقى على المنظمين في الدول الثلاث أن يبرهنوا للعالم أن هذا التفاؤل لم يكن مجرد كلام، بل رؤية تحولت إلى حقيقة تتجاوز التوقعات على كافة الأصعدة.