مستقبل المناخ في قبضة الدول النامية: قراءة في تحرك مصر ضمن مجموعة الثماني (D-8)
شهدت الساحة الدولية مؤخراً حراكاً دبلوماسياً وبيئياً لافتاً، تمثل في مشاركة الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، في الاجتماع الوزاري لمجموعة الدول الثماني النامية (D-8). لم يكن هذا اللقاء مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل جاء في توقيت دقيق ومحوري يسبق انطلاق فعاليات مؤتمر المناخ المرتقب (COP31) في تركيا. إن هذا التجمع يكتسب أهميته من كونه يمثل صوتاً جماعياً لاقتصادات صاعدة تسعى لانتزاع مكانة عادلة لها في معادلة التغيرات المناخية العالمية، بعيداً عن هيمنة القوى الصناعية الكبرى التي غالباً ما تضع شروطها الخاصة، مما يجعل التحرك المصري فرصة ذهبية لبلورة رؤية موحدة لهذه الدول الثماني.
في تحليلي الخاص، أرى أن مشاركة مصر في هذا المحفل الدولي هي خطوة استراتيجية تتجاوز ملفات البيئة التقليدية لتصل إلى جوهر التنمية الاقتصادية. إن الدول النامية تواجه تحدياً مزدوجاً: فهي مطالبة بالتحول نحو الاقتصاد الأخضر، وفي الوقت ذاته مطالبة بتحقيق معدلات نمو توفر حياة كريمة لشعوبها. ومن خلال دفعها نحو إنشاء آلية تنسيق مناخي منظمة، تسعى مصر مع نظرائها في مجموعة الثماني إلى خلق كتلة تفاوضية قوية قادرة على الضغط من أجل الحصول على تمويلات مناخية أكثر عدالة، وضمان نقل التكنولوجيا النظيفة دون قيود مجحفة، وهو ما يُعد تحولاً نوعياً في الدبلوماسية البيئية المصرية.
إن فكرة توحيد الصفوف داخل مجموعة (D-8) التي تضم اقتصادات ذات خصائص متشابهة في التحديات والفرص، تُعد حلاً عملياً لمواجهة الفجوات المناخية التي تعاني منها دول الجنوب العالمي. فغالباً ما تضيع مصالح الدول النامية وسط ضجيج التنافس بين القوى العظمى، ومن ثم فإن وجود "آلية تنسيق" سيسمح بتبادل الخبرات التقنية بين الدول الأعضاء، وتوحيد الموقف في المفاوضات الدولية القادمة. هذا التوجه يعكس وعياً عميقاً بأن مواجهة أزمة المناخ ليست مسؤولية تقنية فحسب، بل هي عملية سياسية بامتياز تتطلب وجود تكتلات قوية تدافع عن حق هذه الشعوب في التنمية المستدامة.
من وجهة نظري، يمثل هذا الاجتماع الوزاري اختباراً لمدى قدرة الدول النامية على الانتقال من دور "المستمع والمستجيب" إلى دور "المبادر والمخطط" في ملف التغير المناخي. إن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في الاجتماعات والبيانات الختامية، بل في مدى جدية هذه الدول في تفعيل التعاون البيني في مجالات الطاقة المتجددة والزراعة الذكية مناخياً. إن مصر، بخبرتها الواسعة في استضافة مؤتمرات المناخ وقيادتها لملفات بيئية إقليمية، يمكنها أن تكون المحرك الرئيسي لهذا التكتل، مما يعزز من دورها كجسر حيوي بين تطلعات الدول النامية والالتزامات العالمية التي تفرضها القمة الدولية القادمة.
ختاماً، يمكننا القول إن مشاركة الدكتورة منال عوض تفتح آفاقاً جديدة للتعاون الإقليمي والدولي تحت مظلة مجموعة الثماني النامية. إن نجاح هذه الجهود في مؤتمر COP31 سيحدد إلى حد كبير قدرة الاقتصادات النامية على الصمود أمام تداعيات الاحتباس الحراري. نحن بحاجة ماسة إلى هذا النوع من العمل الجماعي الذي يعزز السيادة الوطنية على الموارد ويوفر في الوقت ذاته مسارات للنمو الأخضر، فالمناخ ليس مجرد قضية بيئية عابرة للحدود، بل هو معيار التنافسية الاقتصادية القادم في العالم، ومصر بذكائها الدبلوماسي تخطو خطوات واثقة نحو ضمان مقعد متقدم في هذا المسار العالمي المتسارع.