تعثر أشبال الأطلس في المتوسط: قراءة في أسباب الخسارة أمام تونس ومستقبل المنتخب الشاب
شهدت ملاعب إيطاليا، وتحديداً في مدينة فرانكافيلا، فصلاً جديداً من التنافس الكروي المغاربي في إطار ألعاب البحر الأبيض المتوسط 2026، حيث مني المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة بهزيمة قاسية أمام نظيره التونسي بهدف وحيد. هذه النتيجة لم تكن مجرد خسارة في مباراة كرة قدم، بل كانت صدمة للجمهور المغربي الذي يعقد آمالاً كبيرة على هذه الفئة العمرية التي تمثل خزان المواهب المستقبلي لـ أسود الأطلس. إن اللقاء الذي جرى ضمن الجولة الثانية، عكس تباينًا في الأداء وظهر فيه المنتخب الوطني بمستوى افتقر إلى اللمسة الأخيرة والفعالية الهجومية التي كان يمكن أن تغير مسار المواجهة لصالح المغاربة، خاصة بعد التعادل الإيجابي في الجولة الافتتاحية الذي رفع سقف التوقعات لدى المتابعين.
من وجهة نظري الفنية، أعتقد أن المشكلة الأساسية التي واجهت كتيبة المدرب في هذه المباراة ليست فنية بقدر ما هي ذهنية وتكتيكية تتعلق بالتعامل مع الضغط. اللعب في بطولات مجمعة مثل ألعاب البحر المتوسط يتطلب نفساً طويلاً وقدرة على تسيير رتم المباراة، وهو ما نجح فيه المنتخب التونسي الذي عرف كيف يغلق المنافذ ويستغل خطأً دفاعياً وحيداً لخطف هدف الفوز. لقد بدا أن العناصر الوطنية تأثرت كثيراً بالهدف المبكر، مما أدى إلى تسرع كبير في بناء الهجمات، وفقدان للتركيز في الخطوط الخلفية. هذا النوع من المباريات هو اختبار حقيقي لنضج اللاعبين الشباب، فالهزيمة في هذا السن ليست نهاية العالم، بل هي درس قاسٍ يجب أن يتعلموا منه كيفية التعامل مع الخصوم الذين يعتمدون على الدفاع المنظم والارتداد الهجومي السريع.
لا يمكننا تحميل اللاعبين وحدهم مسؤولية هذا التعثر؛ فالطاقم التقني مطالب بإعادة قراءة أوراقه وتعديل النهج التكتيكي بما يتناسب مع المباريات المتبقية. إن ضعف النجاعة الهجومية يعد معضلة تتكرر في مختلف الفئات السنية للمنتخبات الوطنية، حيث يستهلك اللاعبون طاقة كبيرة في الاستحواذ دون ترجمة ذلك إلى فرص حقيقية للتسجيل. يتعين على الجهاز الفني العمل على تطوير الجانب البدني والذهني للمهاجمين، وتعزيز التفاهم بين خطي الوسط والهجوم لضمان وصول الكرة بفاعلية إلى منطقة جزاء الخصم. كما أن التغييرات التي أجريت خلال المباراة لم تقدم الإضافة المرجوة، مما يطرح تساؤلات حول مدى جاهزية دكة البدلاء للمشاركة بفعالية عند الحاجة إلى تغيير نمط اللعب أثناء اللقاء.
بالنظر إلى سياق هذه البطولة، فإن آمال التأهل لا تزال قائمة، لكنها تتطلب الآن حسابات أكثر تعقيداً وضرورة تحقيق الفوز في المواجهة القادمة. يجب على اللاعبين الآن استعادة الثقة بالنفس وتجاوز آثار هذه الهزيمة بسرعة، فالبطولات القصيرة لا تعترف بالعثرات المتتالية. أعتقد أن هذه التجربة ستكون حاسمة في تكوين شخصية اللاعبين؛ فالتحدي الحقيقي ليس في تجنب الهزيمة، بل في كيفية العودة منها والانتفاض في المباريات المصيرية. كرة القدم ليست مجرد موهبة فطرية، بل هي منظومة تتكامل فيها الروح القتالية مع التكتيك العالي والانضباط داخل رقعة الميدان، وهي عناصر افتقدناها في مباراة اليوم ولكنها متاحة للاسترجاع إذا ما توفرت الإرادة القوية.
ختاماً، تبقى هذه المشاركة في ألعاب البحر المتوسط محطة إعدادية هامة، ورغم مرارة الهزيمة أمام تونس، فإن الأولوية يجب أن تظل منح الفرصة لهذه المواهب لاكتساب الخبرة والاحتكاك القاري والدولي. إن استثمارنا في هذه الفئة العمرية هو استثمار في مستقبل الكرة المغربية التي تعيش أزهى عصورها. نتمنى أن تكون هذه الخسارة هي المحفز الذي يوقظ العزائم، وأن نرى أداءً مغايراً تماماً في اللقاء القادم يليق بسمعة الكرة المغربية وما وصلت إليه من تطور. المهمة لا تزال ممكنة، والرهان الآن يكمن في مدى قدرة الطاقم الفني واللاعبين على تحويل هذا الإحباط إلى وقود للإبداع والانتصار في القادم من التحديات.