سبتة تجمع مجلس الأمن الإسباني
تجد الحكومة الإسبانية نفسها أمام منعطف سياسي وأمني دقيق بعد أن قرر رئيس الوزراء بيدرو سانشيز تفعيل أروقة مجلس الأمن القومي في اجتماع طارئ مخصص حصراً لمناقشة التطورات المتسارعة في مدينة سبتة. يأتي هذا التحرك الرسمي في أعقاب محطات ضغط ميداني تمثلت في تدفقات بشرية غير مسبوقة خلال اليومين الأخيرين من شهر يوليو، مما وضع مدريد في موقف يتطلب تحليلاً معمقاً للخيارات المتاحة. إن استدعاء هذا المجلس الوزاري المصغر الذي يضم أركان الدفاع والاستخبارات والخارجية، يعكس بلا شك قناعة إسبانية بأن ملف سبتة لم يعد مجرد مسألة إدارية أو حدودية عابرة، بل تحول إلى تحدٍ استراتيجي يؤثر بشكل مباشر على الأمن الوطني الإسباني واستقرار المنطقة المتوسطية برمتها، وهو ما يفرض قراءة متأنية لما وراء هذه التحركات الدبلوماسية والأمنية.
من وجهة نظري، هذا الاجتماع ليس مجرد إجراء روتيني لتقييم الأضرار، بل هو رسالة سياسية مشفرة تعكس عمق الحيرة التي تعيشها النخب الحاكمة في مدريد. فإشراك رئيس حكومة سبتة المحتلة عبر تقنية التواصل المرئي يعطي انطباعاً بأن السلطة المركزية تحاول استعادة زمام المبادرة عبر تنسيق ميداني مع الأطراف المحلية، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. إن التعامل مع ملف سبتة يحتاج إلى تجاوز المقاربة الأمنية الضيقة؛ فالتاريخ والجغرافيا يثبتان أن أي حل لا يأخذ بعين الاعتبار الواقع المغربي المحيط بالمدينة سيكون مصيره الفشل. إن استمرار الربط بين الهجرة والملفات السياسية الكبرى يعقد المشهد، ويجعل من المدينة "رهينة" دائمة للتقلبات الدبلوماسية، وهو ما يفرض على الطرفين البحث عن أرضية مشتركة تتجاوز الأزمات المتكررة نحو رؤية اقتصادية وتنموية شاملة.
إن مشاركة قيادات الصف الأول في المؤسسة العسكرية والاستخباراتية في هذا اللقاء الاستثنائي تشير إلى أن مدريد قلقة من فقدان السيطرة على ضبط حدودها البحرية والبرية أمام موجات الضغط البشري المستمر. يبدو أن التوجس الإسباني يتزايد من أن تصبح المدن المستعمرة ورقة ضغط دائمة، مما يفسر رغبة سانشيز في حشد كل القوى الحية في الدولة حول استراتيجية دفاعية موحدة. ومع ذلك، يجب التساؤل: هل يمكن للحلول الأمنية، مهما بلغت درجة تطورها التقني أو التحصين الجسدي للحدود، أن تنهي ظاهرة لطالما كانت نتيجة لواقع اجتماعي واقتصادي معقد؟ أعتقد أن الرهان على الأسوار والجدران الأمنية وحدها هو رهان خاسر على المدى الطويل، خاصة في ظل التحولات الديموغرافية والجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، والتي تفرض إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الضفتين.
لا يمكن إغفال البعد الإقليمي لهذا التحرك، فسبتة ليست جزيرة معزولة، بل هي كيان مرتبط عضوياً ببيئته المغربية. إن أي محاولة إسبانية لتكريس وضع "القلعة المحصنة" سيزيد من حدة التوتر ويخلق فجوة يصعب ردمها في المستقبل. بدلاً من الاجتماعات الأمنية المغلقة، ربما كان من الأجدى تعزيز قنوات الحوار الاستراتيجي مع الجار الجنوبي للوصول إلى مقاربة تشاركية في تدبير تدفقات البشر، بدلاً من استدعاء الطواقم العسكرية لمناقشة أزمة هي في جوهرها انعكاس لخلل في التوازنات الاقتصادية المجاورة. إن التحدي الحقيقي أمام سانشيز ليس فقط في "إدارة" الأزمة في سبتة، بل في قدرته على رسم سياسة خارجية متوازنة لا تضحي بعلاقات حسن الجوار من أجل الحفاظ على وضع استعماري عفا عليه الزمن في القرن الحادي والعشرين.
في ختام هذه القراءة، نجد أن انعقاد مجلس الأمن القومي الإسباني يمثل إقراراً ضمنياً بصعوبة الموقف الإسباني، وتنامي الضغوط التي تواجه الحكومة. وبينما ينتظر العالم مخرجات هذا الاجتماع، يبقى الرهان الأكبر هو هل ستخرج مدريد برؤية جديدة تخرج من عباءة "الأمن الأمني" إلى رحاب "الدبلوماسية الحكيمة"؟ إن التاريخ يخبرنا أن الدول العظمى هي التي تجيد قراءة التحولات قبل وقوعها، وليس فقط التي تهرع للاجتماع عند حدوثها. إن سبتة تحتاج اليوم إلى رؤية استشرافية تبتعد عن التشنجات السياسية وترتكز على الاحترام المتبادل لسيادة الدول واستقرار المنطقة، فبدون تفاهم حقيقي وعميق بين الرباط ومدريد، ستظل كل الاجتماعات الأمنية مجرد مسكنات مؤقتة لجرح سياسي وجغرافي غائر لا يندمل إلا بالحلول السياسية العادلة والمنطقية.