دماء في نابلس ووعيد في غزة: المشهد الفلسطيني أمام منعطف دموي جديد
في ظل أجواء مفعمة بالتوتر والمأساة، شهد مخيم عسكر للاجئين بنابلس فصلاً جديداً من فصول النزاع الذي لا يهدأ، حيث استيقظ الفلسطينيون على وقع جريمة بشعة تمثلت في فقدان طفل بريء برصاص قوات الاحتلال. إن هذه الحادثة ليست مجرد رقم في سجل الإحصائيات اليومية، بل هي صرخة إنسانية مدوية تعكس حجم الاستباحة التي يعاني منها المدنيون في الضفة الغربية، وتؤكد أن سياسة الضغط العسكري لا تزيد الوضع إلا اشتعالاً. لقد أصبح الأطفال في فلسطين هدفاً مباشراً لسياسات أمنية غاشمة تتجاوز كل المواثيق الدولية، مما يترك جرحاً غائراً في ذاكرة الشعب الفلسطيني الذي يرى في كل طفل شهيد مشروعاً وطنياً يتم اغتياله قبل أن يكتمل.
بالتوازي مع المشهد المأساوي في نابلس، تخرج علينا تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بلهجة تصعيدية تجاه قطاع غزة، ملوحاً بشن عمليات عسكرية واسعة النطاق تحت ذريعة الرد على إطلاق المسيرات والبالونات الحارقة. هذا التهديد يعيد إلى الأذهان استراتيجية "العقاب الجماعي" التي لطالما انتهجتها تل أبيب للهروب من مآزقها السياسية الداخلية عبر تصدير الأزمات إلى الميدان الفلسطيني. إن الربط بين التوترات في الضفة وغزة يكشف عن نهج إسرائيلي موحد يهدف إلى كسر شوكة المقاومة الشعبية والمسلحة على حد سواء، عبر التلويح بتهجير المدنيين وتكثيف الغارات، وهي سياسات أثبتت فشلها التاريخي في جلب الأمن للإسرائيليين بقدر ما نجحت في تأجيج مشاعر الغضب والمقاومة لدى الفلسطينيين.
ومن وجهة نظري كتحليل للواقع الراهن، أرى أن نتنياهو يمارس لعبة "حافة الهاوية" لخدمة أجندته السياسية الضيقة، خاصة في ظل حكومة يمينية متطرفة تعتمد على لغة القوة كحل وحيد للصراع. إن التهديد بتهجير سكان قطاع غزة هو انتهاك صارخ لحقوق الإنسان الدولية، ومحاولة لشرعنة التهجير القسري الذي يحلم به غلاة المتطرفين. إن المتابع للمشهد يدرك أن هذا التصعيد ليس وليد الصدفة، بل هو تعبير عن عجز المنظومة الإسرائيلية عن تقديم أفق سياسي حقيقي، مما يجعلها تلوذ دائماً بالخيار العسكري الدموي لتشتيت الانتباه عن فشلها في إدارة الملفات السياسية والاجتماعية المعقدة داخل الداخل الإسرائيلي.
إن المجتمع الدولي، الذي يكتفي في كثير من الأحيان ببيانات التنديد الخجولة، يتحمل مسؤولية أخلاقية كبيرة تجاه ما يجري. الصمت الدولي أو الاكتفاء بدعوات "ضبط النفس" للطرفين، بينما لا يتوازن القوة بين جيش نظامي ومواطنين محاصرين، هو نوع من التواطؤ غير المباشر. إن الدماء التي سالت في مخيم عسكر والتهديدات التي تحوم فوق غزة تستوجب تحركاً عاجلاً لوقف سياسة الإفلات من العقاب. لا يمكن للسلام أن يولد من رحم الغارات الجوية ولا من دموع الأمهات الثكالى على أطفالهم؛ فبدون عدالة ناجزة وحماية دولية للشعب الفلسطيني، سيظل الانفجار الكبير مسألة وقت ليس إلا، ولن تجدي حينها الوعود الأمنية ولا التهديدات العسكرية نفعاً.
ختاماً، تبقى الحقيقة الثابتة أن الشعب الفلسطيني، رغم نزيفه المستمر، يمتلك إرادة صلبة تجعله يواجه أقسى الظروف. إن رحيل طفل بريء هو خسارة فادحة لنا جميعاً، ووصمة عار على جبين كل من يملك القدرة على التدخل ولا يفعل. إن الحل لا يكمن في الغارات المكثفة ولا في التهديد بالتهجير، بل في الاعتراف بحقوق هذا الشعب المشروعة في الحياة والحرية والكرامة. التاريخ يخبرنا أن الشعوب لا تنكسر تحت وطأة الحديد والنار، وأن التهدئة الحقيقية لن تتحقق إلا بإنهاء الاحتلال الذي يمثل المصدر الأساسي لكل هذا العنف والدمار، وهو ما ينبغي على العقلاء في المجتمع الدولي إدراكه قبل فوات الأوان.