ميكيلي في مرمى النيران: هل تعيد المسيرات الإثيوبية إشعال فتيل الأزمة المنسية؟
تتصاعد حدة التوترات في شمال إثيوبيا مجددًا بعد تقارير أفادت بتعرض محيط مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي، لغارة جوية نفذتها طائرة بدون طيار، وهو اتهام وجهته سلطات الإقليم المتمردة مباشرة نحو القوات الفيدرالية في أديس أبابا. هذا التطور الميداني ليس مجرد حادثة عابرة في سياق الصراع الطويل، بل يمثل نكسة جديدة للجهود الدولية والإقليمية الساعية لتثبيت وقف إطلاق النار. إن استخدام التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، مثل المسيرات، في قلب المناطق السكنية أو محيطها، يبعث برسائل سياسية وعسكرية دموية، مما يعيد الصراع إلى مربع التشكيك المتبادل ويفاقم من معاناة المدنيين الذين يرزحون تحت وطأة انعدام الأمن منذ اندلاع النزاع.
من وجهة نظري التحليلية، يمثل هذا الهجوم مؤشرًا خطيرًا على هشاشة الاتفاقات السياسية التي تم التوصل إليها سابقًا. إن تكرار هذه الحوادث يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات حول جدية الأطراف في الوصول إلى حل مستدام. فالحكومة الإثيوبية تسعى لفرض سيادتها الكاملة والتعامل مع الإقليم كجزء لا يتجزأ من سلطتها المركزية، بينما ترى جبهة تحرير تيغراي في هذه التحركات اعتداءً سافرًا يبرر استمرار نهجها الدفاعي. هذا الاستقطاب الحاد يجعل من ميكيلي نقطة ارتكاز للضغط العسكري والسياسي، حيث تتحول الأجواء فوق العاصمة الإقليمية إلى مسرح لتصفية الحسابات السياسية بعيدًا عن طاولات الحوار التي يبدو أنها فقدت بريقها في نظر المتحاربين على الأرض.
إن الاعتماد المتزايد على سلاح الطائرات المسيرة في النزاعات الإفريقية، وتحديدًا في الحالة الإثيوبية، يغير قواعد اللعبة العسكرية بشكل جذري. لم يعد الصراع يتطلب حشودًا برية كبيرة لتهديد مراكز القوى، بل أصبح بإمكان قوة جوية تقنية أن تحدث تأثيرًا نفسيًا وعسكريًا هائلًا، وهو ما يفسر حالة الهلع في أوساط التيغرايين. هذا النوع من الحروب يقلل من هامش الخطأ ويزيد من احتمالية الانزلاق نحو مواجهات أوسع نطاقًا، خاصة عندما يتم توجيه الاتهامات وتبادل التهديدات في ظل غياب مراقبين دوليين محايدين قادرين على التحقق من طبيعة هذه الهجمات ومصادرها بدقة، مما يترك الباب مفتوحًا أمام التكهنات والتصعيد الإعلامي.
في تقديري الشخصي، لا يمكن حل الأزمة الإثيوبية عبر الوسائل العسكرية مهما بلغت دقة الأسلحة المستخدمة. إن الاستمرار في هذا النهج سيؤدي فقط إلى استنزاف موارد الدولة التي هي في أمس الحاجة إليها لتحقيق التنمية، فضلاً عن تعميق الفجوة المجتمعية التي قد يصعب ردمها لسنوات طويلة. يتطلب الوضع الحالي ضغطًا دوليًا وإقليميًا موازيًا للضغط العسكري؛ ضغطًا لا يكتفي بالدعوة إلى الهدوء، بل يفرض آليات رقابة حقيقية ويضمن وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، بعيدًا عن لغة المسيّرات التي لا تخلف وراءها سوى الحطام وندوب الصدمات لدى الأجيال القادمة.
ختامًا، يبقى مشهد ما حول ميكيلي مرآة لصراعٍ عجزت كل المبادرات عن إنهائه بشكل كامل حتى الآن. إن التراشق بالاتهامات حول هجوم المسيرات ما هو إلا انعكاس لغياب الثقة الجوهرية بين الأطراف. إن الطريق الوحيد لإنهاء هذه الدوامة هو العودة إلى منطق السياسة والاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات، وإلا فإن شبح الحرب سيظل يطارد سماء إثيوبيا، محولًا المدن التي كان يجب أن تكون مراكز إشعاع إلى ثكنات عسكرية. يجب أن يدرك الجميع أن التاريخ لن يرحم من يختار تدمير المستقبل من أجل نصرٍ مؤقت لا يسمن ولا يغني من جوع في بلد يحتاج للسلام أكثر من أي وقت مضى.