انفراجة في ملف مهنيي النقل بتطوان: الحرية المؤقتة تعيد الدفء لبيوت السائقين
شهدت مدينة تطوان لحظات من الترقب والانتظار، تكللت أخيراً بخبر الإفراج عن مجموعة من سائقي سيارات الأجرة الذين كانوا يقضون عقوبات حبسية على خلفية ملفات قضائية أثارت الكثير من الجدل في الأوساط المهنية والحقوقية بالمنطقة. هذا التطور القضائي الذي أعلنه الأستاذ نوفل البعمري، يأتي كخطوة أولى نحو طي صفحة مؤلمة عاشتها عائلات هؤلاء السائقين، حيث قررت محكمة الاستئناف بتطوان منحهم السراح المؤقت لمتابعة ملفاتهم في ظروف تسمح لهم بالدفاع عن حقوقهم. إن عودة هؤلاء المهنيين إلى بيوتهم، ولو بشكل مؤقت، تعد نفساً جديداً يمنحهم فرصة ترتيب أوراقهم القانونية والاستعداد للمحطات المقبلة في مسار هذه القضية التي شغلت الرأي العام المحلي، مؤكدة في الوقت ذاته على أهمية استقلالية القرار القضائي في الموازنة بين الحق العام وحقوق الأفراد.
من وجهة نظري، يمثل هذا القرار القضائي حكمة تبحث عن التوازن بين صرامة القانون وضرورات الحالة الاجتماعية والإنسانية. فمهنة سائق سيارة الأجرة في المدن المغربية، وخصوصاً في تطوان، ليست مجرد وظيفة عابرة، بل هي شريان حيوي يعتمد عليه مئات الأسر في قوتها اليومي. إن المتابعة في حالة سراح لا تعني نهاية القضية أو الحكم ببراءة الأطراف، لكنها تعكس رغبة المحكمة في ضمان شروط محاكمة عادلة ومريحة للأطراف المعنية، وهي إشارة إيجابية تعيد الاعتبار لمبدأ "المتهم بريء حتى تثبت إدانته". نحن أمام واقع يتطلب من جميع الفرقاء، سواء السائقين أو أرباب المأموريات أو السلطات المعنية، الجلوس إلى طاولة الحوار بعيداً عن أروقة المحاكم، لأن الحلول الزجرية وحدها نادراً ما تحل مشاكل قطاع متداخل ومعقد مثل النقل الطرقي.
تثير هذه القضية تساؤلات أعمق حول وضعية قطاع سيارات الأجرة في المغرب، وتحديدا في تطوان. فالاحتقان الذي سبق هذه الاعتقالات لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات ومشاكل هيكلية مرتبطة بظروف العمل، وتنظيم العلاقة بين المهنيين وأصحاب المأذونيات، وتحديات المنافسة مع وسائل النقل الجديدة. إن الحاجة إلى إصلاح حقيقي وشامل للقطاع أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. لا يمكن الاستمرار في الاعتماد على الحلول الترقيعية أو الاكتفاء بالمعالجة القضائية للملفات المطلبية. يجب على الجهات الوصية إطلاق حوار جهوي موسع يجمع كل المتدخلين، لضمان كرامة السائق من جهة، وتنظيم القطاع بما يخدم مصلحة المواطن الذي يتطلع لخدمة نقل ذات جودة عالية وبتكلفة معقولة، بعيداً عن التشنجات التي تعطل السير العادي للمرفق العام.
إن متابعة هذا الملف كشفت أيضاً عن دور المجتمع المدني والحقوقي في تسليط الضوء على معاناة الفئات المهنية البسيطة. الأستاذ نوفل البعمري، من خلال تتبعه الدقيق وتواصله المستمر، قدم نموذجاً للمحامي الذي لا يكتفي بالمرافعات داخل القاعة، بل ينقل انشغالات المواطنين إلى الرأي العام، مما يساهم في ممارسة نوع من الرقابة المجتمعية الإيجابية التي تدفع نحو شفافية الإجراءات. هذا التفاعل هو ما يعزز الثقة في مؤسسات الدولة، ويجعل من القضاء حكماً نزيهاً يراعي الظروف الاجتماعية، ويستحضر في أحكامه ليس فقط النصوص القانونية الجافة، بل المقاصد الإنسانية التي تهدف إلى صون الاستقرار الاجتماعي. إن الدعم الذي تلقاه هؤلاء السائقون من زملائهم ومن الهيئات الحقوقية يعكس تضامناً مهنياً فطرياً يشد بعضه بعضاً في أوقات الأزمات.
ختاماً، إن الإفراج عن سائقي سيارات الأجرة بتطوان هو محطة مفصلية تستوجب من الجميع استخلاص الدروس. فالعدالة في جوهرها تهدف إلى إحقاق الحق وإرساء السلم الاجتماعي، وليس مجرد تطبيق للعقوبات. نأمل أن تساهم هذه الخطوة في تهدئة الأوضاع داخل القطاع بتطوان، وأن تشكل دافعاً لجميع الفاعلين للتفكير في حلول جذرية تنهي حالة التوتر وتنتقل بالمهنيين إلى مرحلة جديدة من العمل المستقر. إننا ننتظر من المحكمة في مراحلها المقبلة أن تواصل النظر في الملف بإنصاف، كما ننتظر من الجهات المعنية اتخاذ خطوات ملموسة لتحسين ظروف عمل السائقين، ففي نهاية المطاف، سيارة الأجرة هي واجهة المدينة، وسائقها هو سفيرها الأول مع الزوار والمواطنين، ولذلك فإن استقراره النفسي والمهني جزء لا يتجزأ من استقرار المجتمع ككل.