دماء في ساحات الوداع: كيف يغرق اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب لبنان؟

Israeli-airstrike-leaves-victims-in-Lebanon
دماء في ساحات الوداع: كيف يغرق اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب لبنان؟


شهدت الساعات الماضية تصعيداً دموياً جديداً في الجنوب اللبناني، حيث لم ترحم نيران الحرب حتى حرمات الموتى، بعد غارة جوية استهدفت بشكل مباشر مصلى يقع داخل مقبرة بلدة تبنين. هذه الحادثة الأليمة التي أسفرت عن سقوط شهيد وعدد من الجرحى، تضع علامات استفهام كبرى حول هشاشة التهدئة المعلنة، وتعيد تذكير العالم بأن الصمت الميداني في هذه المنطقة لا يعدو كونه استراحة محارب مؤقتة وسط ركام التوترات التي لا تهدأ. إن استهداف مكان له دلالته الرمزية والاجتماعية في الوجدان اللبناني يعكس تحولاً خطيراً في طبيعة الأهداف العسكرية التي يختارها الاحتلال، مما يوحي برغبة في كسر قواعد الاشتباك الضمنية التي كانت تحكم الفترة الماضية.

في سياق تبريرها لهذه العمليات، سارعت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى ربط غاراتها بما أسمته رداً على خروقات مزعومة لاتفاق وقف إطلاق النار من قبل حزب الله. ومن وجهة نظري، فإن هذا النوع من التبريرات يمثل حلقة مفرغة من تبادل الاتهامات التي تسبق دوماً الانفجارات الكبرى. إن إسرائيل تحاول رسم صورة لنفسها كطرف يمارس "حق الدفاع" أو "الردع"، بينما الواقع الميداني يظهر أن المدنيين هم من يدفعون الضريبة الأغلى في هذا الصراع الممتد. إن استخدام شماعة "الانتهاكات" باتت أداة مفضوحة لإضفاء شرعية قانونية دولية على ضربات عسكرية لا تفرق بين هدف عسكري وآخر مدني أو ديني.

إن تحليل المشهد الراهن يقودنا إلى استنتاج مفاده أن الاستقرار في جنوب لبنان لا يزال أمنية بعيدة المنال طالما غابت الضمانات الحقيقية والضغط الدولي الفاعل لإنهاء الغطرسة العسكرية. إن استهداف مرافق حيوية أو أماكن دينية وخدمية، مثل مصلى جبانة تبنين، يحمل رسائل ترهيب تتجاوز الأهداف التكتيكية المحدودة. هذا الفعل ليس مجرد خطأ عسكري أو حادثة عابرة، بل هو تعبير عن عقيدة إسرائيلية تهدف إلى تقويض البيئة الحاضنة للمقاومة من خلال ممارسة ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية لا تنتهي، مما يجعل الحياة اليومية في الجنوب اللبناني جحيماً لا يطاق.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة من "اللاحرب واللاسلم"، حيث تتداخل العمليات المحدودة مع المفاوضات المتعثرة. إن المجتمع الدولي، الذي يكتفي في الغالب ببيانات الإدانة الخجولة، يتحمل مسؤولية أخلاقية كبيرة عن هذا التدهور. إن غياب المحاسبة على مثل هذه الأفعال يشجع الطرف المعتدي على التمادي، مما يعقد فرص الوصول إلى تسوية مستدامة. إنني أرى أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً، فالتجارب أثبتت أن منطق القوة يولد فقط المزيد من الأحقاد والمزيد من العنف الذي لا يخدم أمن أي طرف، بل يغذي دائرة الدم التي باتت تهدد السلم الإقليمي برمته.

ختاماً، إن دماء شهداء تبنين ليست مجرد رقم في سجلات الحرب، بل هي صرخة في وجه العالم المتفرج الذي يرى الحق يُنتهك ولا يحرك ساكناً. إن المرحلة القادمة تتطلب حكمة سياسية فائقة من كافة الأطراف المعنية لمنع انزلاق البلاد نحو مواجهة شاملة لن تكون لها عواقب وخيمة على لبنان فحسب، بل على المنطقة بأسرها. لا بد من تحويل الضغط الميداني إلى ضغط سياسي ودبلوماسي يفرض احترام سيادة الأراضي اللبنانية، ويحمي المدنيين من آلة الحرب التي لا تميز بين حي وميت. يبقى الأمل معلقاً على وعي الشعوب وقوة الحق في مواجهة غطرسة القوة، فالتاريخ علمنا أن الشعوب التي تقاوم من أجل كرامتها لا تنكسر حتى وإن أدمت جراحها الغارات المتكررة.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url