إسمنت المغرب: قراءة في ربع قرن من تقلبات البناء ومستقبل يراهن على الاستدامة
شكلت السنوات الخمس والعشرون الماضية رحلة اقتصادية استثنائية لقطاع البناء والتشييد في المغرب، حيث عملت صناعة الإسمنت كمرآة عاكسة للتحولات العمرانية والسياسات التنموية التي تبنتها المملكة. فمنذ مطلع الألفية وحتى عام 2011، شهد السوق طفرة غير مسبوقة مدفوعة ببرامج السكن الاجتماعي والمشاريع الكبرى للبنية التحتية، وهو ما خلق ذروة إنتاجية عززت من ثقة المستثمرين. ومع ذلك، لم تكن هذه المسيرة خطاً بيانياً صاعداً باستمرار، بل تخللتها فترات من التحديات الهيكلية التي فرضتها المتغيرات الدولية والأزمات المالية، مما دفع الجمعية المهنية لمنتجي الإسمنت إلى مراجعة تلك العقود واستخلاص الدروس اللازمة لمواجهة تحديات المستقبل في ظل سياق اقتصادي عالمي متقلب.
إن قراءتنا لهذا المسار تكشف عن حقيقة جوهرية، وهي أن قطاع الإسمنت لم يعد مجرد مورد للمواد الأولية، بل تحول إلى ركيزة استراتيجية للسيادة الاقتصادية. فبعد مرحلة النمو السريع، دخل القطاع في مرحلة "تصحيح المسار" التي اتسمت بالبحث عن التوازن بين العرض والطلب، خاصة بعد أن بدأت تظهر تشبعات في الأسواق العقارية التقليدية. إن هذه المرحلة التي تسميها الجمعية بـ"مسار التعافي" تعكس نضجاً في التعامل مع الأزمات، حيث تحولت الاستراتيجيات من التركيز الكلي على الكمية إلى التركيز على النوعية والتحول الرقمي والبيئي، مما يعيد تشكيل خارطة الطريق للبناء في المغرب لتكون أكثر مرونة أمام التقلبات الخارجية.
من وجهة نظري كمتتبع للشأن الاقتصادي، أعتقد أن نجاح قطاع الإسمنت في تجسير الهوة بين فترات الانتعاش والركود يعتمد بشكل كبير على الابتكار في سلاسل القيمة. إن الاعتماد المفرط على الطلب المرتبط بالعقار السكني أصبح استراتيجية محفوفة بالمخاطر، ولذلك فإن توجه المنتجين نحو دعم المشاريع الوطنية الكبرى، مثل الموانئ، والطرق السيارة، ومنشآت الطاقة المتجددة، يمثل تحولاً نوعياً يضمن استدامة القطاع. التحدي الحقيقي اليوم ليس فقط في الحفاظ على أرقام المبيعات، بل في تبني تقنيات خضراء تتماشى مع التزامات المغرب المناخية، خاصة أن صناعة الإسمنت من الصناعات الأكثر استهلاكاً للطاقة، وهو ما يفرض استثمارات ضخمة في البحث والتطوير.
بالنظر إلى أفق 2025 وما بعدها، تبدو الرؤية واضحة بضرورة التحول نحو الإسمنت منخفض الكربون، وهو توجه تفرضه الضغوط العالمية المتعلقة بالبيئة. إن "مسار التعافي" الذي تتحدث عنه الجمعية يجب أن يقترن ببيئة تشريعية محفزة تشجع على تدوير النفايات واستخدام بدائل الطاقة في المصانع. إن التحدي القادم للمنتجين لن يكون متعلقاً بقدرتهم على الإنتاج بقدر ما سيكون متعلقاً بـ "كيفية الإنتاج" وفق معايير الحكامة البيئية والاجتماعية. إن هذا التوجه ليس خياراً بل هو ضرورة وجودية لضمان مكانة الشركات الوطنية في الأسواق الإقليمية والدولية التي بدأت تفرض قيوداً صارمة على المواد غير المستدامة.
ختاماً، يمكن القول إن ربع القرن الماضي كان بمثابة مرحلة "التعلم بالممارسة" لمنتجي الإسمنت في المغرب. لقد تجاوز القطاع فترات التوسع السريع نحو مرحلة أكثر نضجاً تعتمد على التخطيط الاستراتيجي. إن الاستقرار المستقبلي للقطاع مرهون بمدى قدرة الفاعلين على الاستمرار في الابتكار، والارتباط الوثيق بأوراش التنمية الكبرى التي تخوضها المملكة، بعيداً عن تقلبات السوق العقاري البسيط. إن مسار التعافي هذا هو في حقيقته قصة صمود اقتصادي، يعكس قدرة المغرب على تحويل التحديات إلى فرص لبناء نموذج صناعي متطور، يحترم البيئة ويساهم بفعالية في التنمية الاقتصادية المستدامة للبلاد.