دبلوماسية التنديد في مهب الريح: قراءة في الموقف العربي تجاه استهداف الأراضي السورية
شهد المشهد الإقليمي تطوراً لافتاً تمثل في صدور بيان مشترك عن اثنتي عشرة دولة عربية وإسلامية، أعربت فيه عن رفضها القاطع للعمليات العسكرية الجوية التي طالت مطار أبو الظهور العسكري في العمق السوري. إن هذا التحرك الدبلوماسي الجماعي يعيد إلى الواجهة ملف السيادة الوطنية في الدول التي تعاني من صراعات داخلية، حيث لم يعد الاعتداء على الأراضي السورية مجرد حدث عسكري عابر، بل تحول إلى ملف يثير قلق عواصم إقليمية ترى في هذا التصعيد تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة برمته. البيان الذي حمل تواقيع دول وازنة، من قطر والأردن إلى الجزائر، يعكس حالة من الإجماع على أن انتهاك الأجواء السورية لا يساهم فقط في تعقيد الملف السوري الشائك، بل يفتح الباب أمام سيناريوهات أمنية غير محسوبة العواقب في ظل استمرار حالة الاستقطاب الدولي.
من منظور تحليلي، لا يمكن قراءة هذه الإدانات بمعزل عن السياق الجيوسياسي العام الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط، حيث أصبحت العمليات الجوية الإسرائيلية التي تستهدف مواقع داخل سوريا جزءاً من "الروتين" الأمني المتكرر، مما دفع الدول الموقعة على البيان إلى محاولة كسر حاجز الصمت الدبلوماسي. إن وجهة نظري الشخصية تشير إلى أن هذه الإدانات، رغم ضرورتها القانونية والسياسية لحفظ التوازن، تواجه تحدياً كبيراً يتمثل في ضعف الأدوات التنفيذية لها. فالعالم العربي اليوم يمر بمرحلة إعادة تقييم للتحالفات والمواقف، والخطابات الصادرة عن هذه الدول تعبر عن تزايد المخاوف من "تطبيع" العمليات العسكرية الأجنبية على الأراضي العربية، مما قد يؤدي إلى تآكل مفهوم الدولة الوطنية في الفكر الإقليمي السائد حالياً.
إن الغارات على مطار أبو الظهور تحمل في طياتها رسائل تتجاوز البعد العسكري المباشر؛ فهي تأتي في وقت تعاني فيه سوريا من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، مما يجعل مثل هذه الضربات وقوداً إضافياً لعدم الاستقرار. إن الدول الـ 12 المشاركة في البيان تدرك تماماً أن الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ليس مجرد شعار قومي، بل هو ضرورة استراتيجية لمنع تحول سوريا إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية التي قد تبتلع أمن الجوار. إن هذا التكتل الدبلوماسي يهدف في جوهره إلى وضع حد لسياسة الأمر الواقع التي تحاول بعض الأطراف فرضها، والتأكيد على أن الشرعية الدولية لا تزال تشكل المظلة الوحيدة التي يجب الاحتكام إليها في إدارة النزاعات، بغض النظر عن التباينات في وجهات النظر السياسية تجاه النظام السوري.
بالتأمل في دلالات هذا التحرك، يبدو واضحاً أن هناك محاولة عربية لإعادة تفعيل دور المجموعة في كبح جماح التصعيد الإقليمي قبل أن يخرج عن السيطرة. ومع ذلك، يظل السؤال المحوري معلقاً: هل تكفي البيانات الدبلوماسية للجم الآلة العسكرية التي تعتمد على القوة الصلبة؟ إن تحليلي يميل إلى أن التأثير الحقيقي لهذه المواقف يكمن في "تشكيل الرأي العام الدولي" وحشد الدعم لموقف قانوني موحد يرفض الانتهاكات الصارخة للسيادة. ومع أن هذه الدول لا تمتلك حالياً أدوات ردع عسكرية مشتركة، فإن تلاحمها في هذا الملف يرسل إشارة تحذير بأن الصمت على التجاوزات لديه سقف زمني، وأن استقرار المنطقة بات مرتبطاً بشكل عضوي بوقف هذه السياسات التصعيدية.
ختاماً، إن الموقف العربي الموحد حيال الغارات على سوريا يعد خطوة في الاتجاه الصحيح لإعادة الاعتبار لمبدأ احترام السيادة الوطنية. ومع ذلك، فإن المطلوب في المرحلة المقبلة يتجاوز مجرد إصدار البيانات، ليمتد نحو رؤية عربية استراتيجية قادرة على التعاطي مع التحديات الأمنية بآليات أكثر فاعلية. إن أمن سوريا هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، والرهان يظل قائماً على قدرة هذه الدول على التنسيق في ما بينها لتحييد المنطقة عن صراعات لا تؤدي إلا إلى المزيد من الدمار والتفتيت. إن التاريخ يعلمنا أن الانتصارات العسكرية المؤقتة لا تصنع سلاماً، وأن استقرار المنطقة يمر بالضرورة عبر احترام استقلال الدول وسيادتها دون استثناء أو تمييز.