تصعيد إقليمي في الأفق: ماذا يعني تكاتف 12 دولة عربية ضد الغارات الأخيرة على سوريا؟
شهدت الساعات الأخيرة تحولاً لافتاً في المشهد الدبلوماسي الإقليمي، حيث اصطفت 12 دولة عربية وإسلامية في موقف موحد وشديد اللهجة للتعبير عن رفضها القاطع للعمليات العسكرية التي نفذتها القوات الإسرائيلية ضد مطار أبو الظهور العسكري في العمق السوري. إن هذا التحرك الجماعي لا يمثل مجرد إدانة روتينية أو بياناً دبلوماسياً عابراً، بل هو مؤشر على تزايد القلق من استمرار سياسة "تصفير المسافات" التي تتبعها تل أبيب في التعامل مع الأراضي السورية. إن استهداف البنى التحتية العسكرية الحيوية في سوريا تحت ذرائع أمنية مختلفة لم يعد يُنظر إليه في العواصم العربية كإجراء دفاعي، بل كعمل عدواني يهدف إلى زعزعة استقرار بلدٍ يعاني أصلاً من تبعات سنوات طويلة من الأزمات، مما يضع المنطقة برمتها أمام تحديات أمنية جديدة تزيد من احتمالات الانزلاق نحو صدام أوسع لا تحمد عقباه.
في تحليلي الخاص، أرى أن هذا الموقف العربي المشترك يبعث برسائل مشفرة وأخرى صريحة لعدة أطراف دولية وإقليمية. الرسالة الأولى موجهة إلى المجتمع الدولي، وتحديداً القوى الكبرى، بضرورة التدخل لوقف الانتهاكات المتكررة للسيادة الوطنية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، حيث إن الصمت الدولي على مثل هذه الغارات يمنح الضوء الأخضر للمزيد من التصعيد. أما الرسالة الثانية فهي موجهة للداخل الإقليمي، بأن الخيار العسكري الذي تنتهجه إسرائيل لن يحقق الأمن المنشود بقدر ما سيعزز حالة الاحتقان الشعبي والرسمي. ومن وجهة نظري، فإن هذا الإجماع يعكس مخاوف عميقة من أن تتحول الساحة السورية إلى حلبة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، مما يهدد بتقويض المساعي الدبلوماسية الهشة التي تهدف للوصول إلى تسوية سياسية دائمة للأزمة السورية، فبدلاً من التركيز على بناء الدولة، تضطر دمشق للانشغال بصد الهجمات المتكررة التي تستنزف مواردها وتعرقل سيادتها.
إن استهداف مطار عسكري بحجم وأهمية مطار أبو الظهور يتجاوز الدلالات التكتيكية ليشكل ضربة لمفهوم "السيادة" بحد ذاته. إن التوقيت الذي اختارته القوات الإسرائيلية لتنفيذ هذه العملية يشي برغبة في اختبار ردود الفعل الإقليمية ومدى قدرة التحالفات الجديدة في المنطقة على اتخاذ مواقف موحدة. وهنا تكمن النقطة الجوهرية: هل ستكتفي الدول الـ12 بالإدانة الخطابية؟ أم أن هذا التحالف سيتطور ليصبح تكتلاً ضاغطاً يمتلك أوراقاً سياسية واقتصادية قادرة على تغيير قواعد الاشتباك؟ إن المنطقة اليوم تمر بمرحلة مفصلية، حيث تتقاطع المصالح الكبرى وتتداخل الأزمات، مما يجعل أي خطوة عسكرية متهورة كفيلة بإشعال شرارة صراع إقليمي شامل يصعب احتواء تداعياته الجيوسياسية والاقتصادية على المدى المنظور.
من زاوية أخرى، يجب أن نتوقف عند تأثير هذه الغارات على استقرار المنطقة ككل؛ فالتصعيد الإسرائيلي المستمر ضد سوريا يغذي بشكل غير مباشر سرديات التطرف والتدخلات الخارجية، ويجعل من استعادة استقرار الدولة السورية هدفاً بعيد المنال. عندما تُنتهك حدود دولة عربية بشكل دوري، فإن ذلك يضعف المنظومة الأمنية الإقليمية ويخلق ثغرات تستغلها القوى الطامعة لتعزيز نفوذها. إن وجهة نظري هي أن الحل لا يكمن في المزيد من الإدانات، بل في تفعيل دور الوساطات الدولية وإيجاد مظلة أمنية تحمي سيادة الدول، فالعالم الذي نعيش فيه اليوم لم يعد يحتمل المزيد من الحروب المفتوحة، والمصالح المشتركة بين الدول العربية يجب أن تترجم إلى فعل سياسي استراتيجي يضمن عدم تحول الحدود إلى ساحات حرب دائمة.
ختاماً، يمكن القول إن إدانة الدول العربية والإسلامية للغارات الأخيرة تمثل صرخة تحذير من استمرار حالة الفوضى الأمنية. إن استقرار سوريا لا ينفصل عن استقرار جيرانها وعن أمن الإقليم ككل، ولذلك فإن المجتمع الدولي مطالب اليوم بالانتقال من دور المتفرج إلى دور الضامن للسلام. إن سياسة القوة التي تتبعها إسرائيل قد تحقق نتائج آنية، لكنها بالتأكيد تخسر على المدى البعيد ثقة المجتمع الدولي وتزيد من عزلتها في محيطها الجغرافي. إننا أمام واقع يتطلب حكمة سياسية وتغليباً للغة الحوار على لغة الصواريخ، لضمان مستقبل المنطقة التي لا تزال تتطلع إلى الخروج من عنق الزجاجة نحو الاستقرار والتنمية بعيداً عن صراعات لا تنتهي.