كرة القدم و"أحداث سبتة" .. لاس بالماس يتردد في مؤازرة المدينة المحتلة
لطالما تغنت شعارات الفيفا بفصل الرياضة عن السياسة، وجعل كرة القدم جسراً للتقارب بين الشعوب، إلا أن واقع الحال في العديد من المحطات الرياضية يثبت عكس ذلك تماماً. فقد شهدت أروقة ملعب ألفونسو موروب في مدينة سبتة واقعةً كشفت هشاشة هذه الشعارات، حيث تحولت مباراة عادية في منافسات دوري الدرجة الثانية الإسباني إلى منصة لتصدير أزمات الهجرة العميقة التي تعصف بالمنطقة. إن إصرار النادي المحلي على تحويل المباراة إلى عرض سياسي يحمل دلالات رمزية حول أحداث العبور الجماعي، وضع لاعبي فريق لاس بالماس في موقف حرج، حيث تجسد التردد لديهم ليس كمجرد موقف رياضي، بل كحيرةٍ إنسانية وسياسية أمام ملف يختزل صراعات جيو-سياسية معقدة تتجاوز حدود الملعب، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول حق الأندية في توظيف الميادين الرياضية كمنصات للتعبئة السياسية.
من وجهة نظري الشخصية، أرى أن إقحام قضايا الهجرة الحساسة في مناخات المباريات يمثل سلاحاً ذا حدين، ففي حين قد يبدو ذلك تعبيراً عن التضامن المجتمعي من منظور أصحاب الأرض، إلا أنه يفرغ كرة القدم من وظيفتها الأصلية كمتنفس اجتماعي محايد. إن تردد فريق لاس بالماس في الانخراط الكلي في هذه المبادرات لا يعكس بالضرورة نقصاً في الإنسانية، بل ربما ينم عن وعيٍ دقيق بأن اللاعبين ليسوا سوى ضحايا لهذه الاستقطابات، حيث يُجبرون على اتخاذ مواقف سياسية في وقت يُفترض أن يكونوا فيه تحت أضواء الاحتراف الرياضي. إن محاولة تحويل الهجرة، بكل ما تحمله من ألم إنساني وتعقيدات سياسية، إلى مجرد شعارات تُرفع على أرضية الملعب، يقلل من شأن هذه المأساة ويحولها إلى مادة للاستهلاك الإعلامي في ظل تشنجات إقليمية لا يملك اللاعبون وحدهم مفاتيح حلها.
إن ظاهرة تسييس الملاعب في سياق سبتة والمدن الحدودية تعكس تخبطاً في التعامل مع ملفات الهجرة؛ فبدلاً من معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية للهجرة، يتم استغلال اللحظات العاطفية في كرة القدم لتعزيز أجندات معينة أو للرد على ضغوط دبلوماسية. إن ما حدث خلال تلك المباراة لم يكن مجرد تصرف عفوي من قبل النادي المضيف، بل كان استثماراً مدروساً للحظة رياضية لجذب انتباه الرأي العام الإسباني والدولي نحو المدينة. هذا التوجه خطير لأنه يفتح الباب أمام تحويل المباريات في المستقبل إلى ساحات للصدام الرمزي بين الجماهير، مما قد يؤثر سلباً على الروح الرياضية ويجعل من اللاعبين أهدافاً سهلة للاحتقان الاجتماعي الذي تعيشه المدينة الحدودية في ظل أزمات العبور المستمرة.
بالنظر إلى التداعيات المستقبلية، يتوجب على الهيئات الرياضية في إسبانيا وضع ميثاق شرف واضح يمنع تحويل الملاعب إلى منصات للخطاب السياسي المباشر، ليس من باب تكميم الأفواه، بل من باب حماية الرياضة من التلوث بالصراعات التي لا يمكن للمستطيل الأخضر حلها. إن التردد الذي أبداه لاعبو لاس بالماس يرسل إشارة ضمنية بأن هنالك تياراً رياضياً يرفض الانصياع لهذا التوظيف السياسي، وهو موقف يحترم فيه اللاعب هويته المهنية. فكرة القدم، في جوهرها، تهدف إلى توحيد الفرقاء على قواعد واضحة ومحددة، بينما السياسة، خاصة في ملف الهجرة، هي علم الخلاف وتدبير الصراعات، ودمجهما قسراً يفسد جوهر المنافسة الرياضية النبيلة.
في الختام، يظل ملف سبتة وأزمات الهجرة المرتبطة بها أكبر من أن تختزله تسعون دقيقة من اللعب، وأعمق من أن تعالجه لافتة تُرفع أو مبادرة تُنظم في ملعب كرة قدم. إن الحادثة التي شهدناها هي تذكير بضرورة فصل الدبلوماسية عن الميدان الرياضي، فالحلول الحقيقية للأزمات الحدودية تتطلب طاولات حوار سياسي رصين وقرارات استراتيجية بعيدة عن الملاعب. إننا بحاجة إلى ثقافة رياضية تعلي من شأن الإنسان كرياضي، بعيداً عن كونه ورقة في لعبة الشطرنج السياسية، لضمان بقاء الرياضة مساحة آمنة للجميع، تتجاوز حدود الخرائط والمواقف السياسية الضيقة، وتنتصر في نهاية المطاف للقيم الإنسانية العالمية التي تجمعنا قبل أن تفرقنا السياسة.