قطار المستقبل يغير تضاريس مراكش: حين تسبق البنية التحتية انطلاقة «البراق»
تشهد مدينة مراكش في الآونة الأخيرة تحولات بنيوية عميقة تتماشى مع الطموح الوطني لتوسيع شبكة القطار فائق السرعة ليربط بين القنيطرة وعاصمة النخيل. إن هذا المشروع، الذي يتجاوز كونه مجرد خط سكة حديدية، يمثل رافعة حقيقية للتنمية الترابية والاقتصادية، حيث بدأت ملامحه تظهر جلياً من خلال أعمال تهيئة الشبكات الحيوية، وعلى رأسها شبكات مياه الشرب. إن الإعلان الأخير عن نتائج طلب العروض المتعلق بنقل هذه الشبكات يشير إلى أننا أمام مرحلة دقيقة تتطلب دقة هندسية عالية لضمان عدم تأثر الساكنة بأي اضطرابات في التزويد، مع الإسراع في وتيرة الأشغال لتكون البنية التحتية جاهزة لاستقبال هذا الصرح التكنولوجي الضخم.
من وجهة نظري، أرى أن ربط مدينة مراكش بخط القطار فائق السرعة هو استثمار استراتيجي سيغير وجه السياحة والأعمال في المغرب. إن التحدي الحقيقي ليس فقط في وضع القضبان، بل في 'العمليات الجراحية' الدقيقة التي تجريها الشركة الجهوية متعددة الخدمات لمراكش-آسفي لنقل وتحويل قنوات المياه. هذا العمل، وإن كان يبدو إجرائياً وتقنياً، إلا أنه يجسد رؤية استباقية تضمن استدامة الموارد الحيوية بالتوازي مع التطور العمراني. إن القدرة على موازنة متطلبات مشروع ضخم بحجم 'البراق' مع حماية المصالح اليومية للمواطنين تعد اختباراً حقيقياً لكفاءة المؤسسات المسيرة للمرافق العمومية، وهو اختبار تظهره هذه الأشغال في مراحلها الأولى.
إنني أعتقد أن هذه التحركات الميدانية تعكس نضج التخطيط العمراني في المملكة؛ فبدل أن تقتصر المشاريع على واجهتها البراقة، هناك اهتمام متزايد بـ 'ما تحت الأرض' من بنى تحتية. نقل الشبكات ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو تحدٍ هندسي يتطلب تنسيقاً بين عدة أطراف لضمان ديمومة الضغط المائي وجودة التوزيع. إن تخصيص ميزانيات ضخمة وموارد بشرية وتقنية لهذه العمليات يؤكد أن الدولة تتعامل مع مشروع القطار فائق السرعة كنموذج متكامل، حيث لا يمكن لأي جزء من الشبكة الوطنية أن يتطور بمعزل عن تحديث الشرايين الحيوية للمدن التي يمر عبرها.
في سياق التحليل الاقتصادي، ستساهم هذه الدينامية في خلق فرص شغل محلية وتحريك عجلة المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تتولى تنفيذ هذه الأشغال. مراكش، التي تعد قاطرة للسياحة العالمية، ستجد في هذا القطار وسيلة لتقليص المسافات ودمج أسواق العمل، مما سيؤدي إلى تدفق استثمارات جديدة في مناطق لم تكن في السابق ضمن دائرة الضوء. إن تحويل مسارات شبكات المياه اليوم هو تمهيد للطريق أمام تدفق اقتصادي وبشري غير مسبوق، مما يعني أن العائد على هذا الاستثمار لن يقتصر على سرعة التنقل، بل سيمتد ليلامس جودة الحياة ومعدلات النمو في الجهة ككل.
ختاماً، إن انطلاق الأشغال التمهيدية لمشروع القطار فائق السرعة بمراكش يمثل بداية حقبة جديدة للمدينة الحمراء. ومع كل متر مكعب يتم تحويل مساره وكل ورشة تفتح لتجهيز المسار، نلمس اقتراب الحلم من الواقع. إن النجاح في إدارة هذه المرحلة الانتقالية، بكل ما تحمله من تحديات تقنية، سيؤسس لنموذج يحتذى به في تدبير المشاريع الكبرى في المغرب. نحن لا نبني مجرد خط للسكك الحديدية، بل نضع لبنات نظام متكامل يربط شمال المملكة بجنوبها، ويفتح أمام مراكش آفاقاً رحبة لتكون قلباً نابضاً لحركة العبور والتنمية الاقتصادية في عهد السرعة والابتكار.