مهدي بنعطية يكسر جدار الصمت: حكاية مارسيليا بين الحقائق المرّة والأخطاء المعترف بها

Mehdi-Benatia-No-Need-To-Buy-My-Silence
مهدي بنعطية يكسر جدار الصمت: حكاية مارسيليا بين الحقائق المرّة والأخطاء المعترف بها


انتقل مهدي بنعطية، الصخرة الدفاعية التي طالما أرعبت المهاجمين في كبرى الملاعب الأوروبية، من ساحة المعارك الخضراء إلى كواليس الإدارة المعقدة، ليخوض تجربة مختلفة تمامًا في نادي أولمبيك مارسيليا العريق. بعد مسيرة حافلة كلاعب شهدت تألقه في أندية بحجم بايرن ميونخ ويوفنتوس وروما، قرر الدولي المغربي السابق خوض غمار العمل الإداري كمدير لكرة القدم. لم تكن هذه الخطوة محض صدفة، بل كانت نتاج رغبة في البقاء قريبًا من شغفه الأول، كرة القدم، ولكن من زاوية مختلفة تتطلب رؤية استراتيجية ومهارات تفاوضية وإدارية لا تقل أهمية عن الموهبة الكروية. امتدت هذه التجربة لمدة عامين ونصف، وهي فترة شهدت تقلبات عديدة في النادي الفرنسي، قبل أن تنتهي فصولها بطريقة لم تكن متوقعة أو سلسة، تاركة وراءها العديد من التساؤلات والغموض. الآن، وبعد فترة من الصمت، اختار بنعطية كسر هذا الجدار والبوح بما في جعبته، في حوار حصري حمل في طياته الكثير من الصراحة والمراجعة الذاتية، بالإضافة إلى توجيه أصابع الاتهام إلى جهات أخرى. هذا الحوار، الذي تناقلته الأوساط الرياضية باهتمام بالغ، لم يكن مجرد استعراض لتجربة شخصية، بل كان بمثابة شهادة من داخل غرفة عمليات أحد أعرق الأندية الفرنسية، كاشفًا عن تعقيدات إدارة كرة القدم الحديثة والصراعات الخفية التي غالبًا ما تقع بعيدًا عن أضواء الملاعب.

في خطوة تعكس نضجًا ووعيًا نادرين في عالم كرة القدم المليء بالتبريرات، لم يتردد مهدي بنعطية في تحمل جزء من المسؤولية عن الإخفاقات التي شهدها أولمبيك مارسيليا خلال فترة إدارته. هذا الاعتراف الصريح بالأخطاء، بعيدًا عن محاولة تلميع الصورة أو تحميل اللوم للآخرين بشكل كامل، يُعد نقطة مضيئة في تصريحاته. الانتقال من دور اللاعب الذي ينفذ الخطط على أرض الملعب إلى دور المدير الذي يضع هذه الخطط ويشرف على تنفيذها يتطلب تحولاً جذريًا في الفكر والمهارات. بنعطية، بخبرته الكروية الهائلة، ربما واجه تحديات كبيرة في التكيف مع متطلبات الوظيفة الإدارية التي تتطلب جانبًا دبلوماسيًا وتنظيميًا وتشغيليًا واسع النطاق. قد تكون بعض القرارات المتعلقة بالتعاقدات، أو حتى طريقة إدارة العلاقة بين اللاعبين والإدارة، قد أدت إلى نتائج غير مرضية. هذه الإخفاقات، التي لم يحددها بالاسم، غالبًا ما تتضمن تحديات في التوفيق بين طموحات النادي والموارد المتاحة، أو اختيار لاعبين لا ينسجمون مع فلسفة المدرب أو روح الفريق، أو حتى عدم القدرة على بناء هيكل رياضي متكامل يخدم الأهداف طويلة الأمد. إن شجاعة بنعطية في الاعتراف بهذه الجوانب السلبية من تجربته تمنح مصداقية أكبر لبقية حديثه، وتُظهر أنه لا يخشى مواجهة الحقيقة، حتى لو كانت قاسية وتتعلق بأدائه هو شخصيًا.

على النقيض من اعترافه بمسؤولياته، لم يتردد بنعطية أيضًا في توجيه انتقادات حادة ومباشرة لبعض الأطراف الأخرى التي شاركته التجربة في مارسيليا. في مقدمة هؤلاء كان الرئيس السابق للنادي، بابلو لونغوريا، الذي يبدو أن العلاقة بينهما شابها الكثير من التوتر وعدم التفاهم. غالبًا ما تنشأ الصراعات الإدارية في الأندية الكبرى من تضارب الرؤى الاستراتيجية أو اختلاف في منهجيات العمل، أو حتى في كيفية توزيع السلطات والمسؤوليات. قد تكون انتقادات بنعطية لـ لونغوريا قد ارتكزت على جوانب تتعلق بوضوح الرؤية الرياضية، أو التدخل في الصلاحيات، أو ربما عدم القدرة على توفير البيئة الداعمة التي يحتاجها المدير الرياضي لتنفيذ خططه بفعالية. بالإضافة إلى ذلك، طالت سهام النقد بعض اللاعبين، على الرغم من عدم الكشف عن أسمائهم، مما يشير إلى وجود مشكلات أعمق تتعلق بالاحترافية أو الالتزام أو حتى جودة الأداء داخل الفريق. فمن منظور المدير الرياضي، يُعد اختيار اللاعبين المناسبين والحفاظ على انضباطهم وتماسكهم من الأولويات القصوى. عندما يرى المدير أن هناك تقصيرًا من جانب اللاعبين في أداء واجباتهم أو في التزامهم بأخلاقيات المهنة، فإن ذلك ينعكس سلبًا على الأداء العام للنادي. هذه الانتقادات، سواء للمسؤولين أو للاعبين، تسلط الضوء على بيئة عمل معقدة مليئة بالتحديات، حيث تتداخل المصالح وتتشابك العلاقات، مما يجعل من الصعب على أي طرف العمل بمعزل عن الآخر.

إن تجربة مهدي بنعطية في مارسيليا، وما رافقها من نجاحات محدودة وإخفاقات معترف بها، تُقدم لنا نافذة هامة على طبيعة العمل الإداري في عالم كرة القدم الحديث. فالانتقال من سحر الملاعب وعبقرية الأداء الفردي والجماعي إلى كواليس المكاتب ودهاليز المفاوضات يمثل قفزة نوعية لا ينجح فيها الجميع. غالبًا ما يتخيل اللاعبون السابقون أن خبرتهم الميدانية ستكون كافية لقيادة دفة الإدارة، لكن الواقع يُظهر أن الأمر أبعد من ذلك بكثير. يتطلب منصب المدير الرياضي فهمًا عميقًا للجوانب المالية والقانونية والتسويقية، بالإضافة إلى بناء شبكة علاقات واسعة والقدرة على إدارة الأزمات والتعامل مع ضغوط الإعلام والجماهير. ما كشف عنه بنعطية من صراعات داخلية مع الرئيس وانتقادات للاعبين يجسد المشهد العام في العديد من الأندية الكبرى، حيث تتصارع الرؤى وتختلف الأولويات، ويكون الضحية في النهاية هو الاستقرار الرياضي والفني. فالنادي مثل أولمبيك مارسيليا، بتاريخه وشغف جماهيره، يُعد بيئة شديدة التنافسية والضغط، ولا تحتمل الأخطاء أو التجاذبات الإدارية. ومن هنا، يمكننا استخلاص درس مفاده أن النجاح الإداري ليس مجرد امتداد للنجاح الكروي، بل هو مسار مختلف يتطلب أدوات ومهارات مغايرة تمامًا، ويستدعي المرونة والدبلوماسية بقدر ما يستدعي الحزم والخبرة الكروية.

العبارة الأبرز والأكثر إثارة في تصريحات بنعطية، والتي يمكن اعتبارها مفتاحًا لكل ما قاله، هي إعلانه بأنه "لا حاجة لشراء صمتي". هذه الجملة ليست مجرد تعبير عن رفضه لأي محاولات إسكاته، بل هي إعلان جريء عن استعداده التام لكشف الحقائق، مهما كانت حساسة أو محرجة للبعض. إنها تعكس قناعة عميقة لديه بأن الصدق والشفافية هما السبيل الوحيد لتجاوز الأزمات والبناء للمستقبل. في عالم كرة القدم، حيث غالبًا ما تُسوى الأمور بعيدًا عن الأضواء ويُفضل الصمت على المواجهة، يأتي تصريح بنعطية ليُغير قواعد اللعبة قليلًا، ويفتح الباب أمام المزيد من التساؤلات حول طبيعة العمل داخل الأندية الكبرى. هذا الموقف قد لا يروق للبعض، خاصة أولئك الذين قد تُكشف أوراقهم، ولكنه يعزز من مكانة بنعطية كشخص يملك المبادئ ولا يساوم عليها. أما بالنسبة لمستقبل بنعطية، فقد تكون هذه التجربة، رغم مرارتها، محطة تعليمية قيمة تمكنه من صقل مهاراته الإدارية والعودة بشكل أقوى وأكثر حنكة في المستقبل. وبالنسبة لأولمبيك مارسيليا، فإن هذه التصريحات تُلقي بظلالها على الإدارة الحالية والمستقبلية، وتفرض عليها ضرورة مراجعة داخلية شاملة، لضمان بيئة عمل صحية تضع مصلحة النادي فوق كل اعتبار، وتجنب تكرار الأخطاء التي أدت إلى خروج شخصية بحجم بنعطية بهذه الطريقة المضطربة. إن الشفافية والمساءلة هي ركائز أساسية لأي مؤسسة تطمح للنجاح والاستمرارية، وتصريحات بنعطية تذكير قاسٍ بأهمية هذه الركائز في عالم كرة القدم الذي لا يرحم.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url