مضيق هرمز على صفيح ساخن: توازنات الدوحة وطهران في انتظار الحل الدبلوماسي
في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي المتشابك، تبرز التطورات الأخيرة المتعلقة بمضيق هرمز كواحدة من أكثر القضايا حساسية وتأثيرًا على استقرار منطقة الخليج العربي. لم يعد الأمر مقتصرًا على حركة الملاحة الدولية فحسب، بل تحول إلى ساحة لاختبار التوازنات السياسية بين القوى الإقليمية، حيث تترقب الدوحة مسار المفاوضات الجارية بين طهران ومسقط. إن هذا الانتظار القطري ليس مجرد موقف سلبي، بل هو استراتيجية حذرة تهدف إلى إفساح المجال لوساطة عمانية قادرة على نزع فتيل التوتر قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة، خاصة وأن استقرار الممرات المائية يعد عصب الاقتصاد القطري والخليجي على حد سواء.
وفي خضم هذه التعقيدات، جاء ملف الطيارين الإيرانيين الثلاثة الذين سقطت طائراتهم بنيران الدفاعات الجوية القطرية ليضيف فصلاً جديداً من التوتر الدبلوماسي. ورغم محاولات الجانب الإيراني تسييس هذا الحادث أو تحميل الدوحة مسؤوليات خارج سياق الدفاع عن السيادة الوطنية، فإن الموقف القطري ظل ثابتاً وحازماً. إن رفض قطر للمزاعم الإيرانية المتكررة حول مصير هؤلاء الطيارين يعكس رغبة الدوحة في التأكيد على أن أمنها القومي خط أحمر لا يقبل المساومة، وأن التعامل مع هذه الحوادث يتم وفق بروتوكولات عسكرية وقانونية دولية صارمة، بعيداً عن أهواء التصعيد الإعلامي الذي تحاول بعض الأطراف استغلاله لتحقيق مكاسب تكتيكية.
من وجهة نظري التحليلية، أعتقد أن ما نشهده اليوم هو محاولة إيرانية للضغط على الأطراف الخليجية من أجل كسب أوراق تفاوضية جديدة قبل الجلوس على طاولة الحوار حول "هرمز". طهران تدرك جيداً أن أي اتفاق يخص الممر المائي هو اتفاق يمنحها شرعية دولية وتخفيفاً للضغوط الاقتصادية، لذا فهي تلجأ إلى تضخيم أحداث عابرة مثل حادثة الطائرات لتحويل الأنظار عن جوهر القضية. في المقابل، تتبع قطر سياسة "النفس الطويل"، فهي تراهن على دور سلطنة عمان التقليدي كـ "وسيط نزيه" يمتلك قنوات اتصال مفتوحة مع كافة الأطراف، وهو نهج يحظى باحترام دولي وقدرة على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة.
إن ربط مستقبل مسار المفاوضات الثنائية بين إيران وعمان بملف الطيارين يشي بوجود فجوة ثقة عميقة بين الأطراف الفاعلة. فبينما تسعى الدوحة إلى المضي قدماً نحو تهدئة إقليمية تخدم المصالح المشتركة، تظل إيران رهينة لمواقفها التي تتسم بالتذبذب بين الرغبة في التهدئة واللجوء إلى الاستفزاز. إن استمرار هذا التخبط الإيراني قد يؤدي إلى إطالة أمد الجمود الحالي، مما يضع على عاتق الوسيط العماني عبئاً إضافياً يتطلب منه صياغة ضمانات ملموسة تمنع تحويل أي حادث تقني أو عسكري إلى ذريعة لتعطيل الملاحة أو استهداف السيادات الوطنية لدول الجوار، وهو أمر يصب في صميم مصلحة المنطقة بأكملها.
ختاماً، يمكن القول إن مفتاح الحل في منطقة الخليج لا يكمن في التصريحات الرنانة أو محاولات التملص من المسؤولية، بل في تبني لغة الواقعية السياسية التي تؤمن بأن أمن الممرات المائية هو مسؤولية جماعية لا تتحمل التجاذبات الجانبية. إن قطر، بموقفها الصامد والواضح، ترسل رسالة مفادها أن السيادة ليست محل نقاش، وأن الانفتاح على الحلول الدبلوماسية مشروط بالاحترام المتبادل والحقيقة. يبقى الأمل معلقاً على نجاح مساعي مسقط في تقريب وجهات النظر، لضمان استقرار لا يخدم قطر وإيران فحسب، بل يضمن سلامة حركة التجارة العالمية التي لا تزال تراقب بقلق مصير ممرها الأكثر حيوية.